أ.د.أبشر حسين
عرفتُ السيد الطيب سيد مكي منذ مقتبل الشباب الباكر، يوم كان اسمه يتردد في الآفاق كأيقونةٍ من أيقونات مدينة أم درمان، وجزءًا أصيلًا من ذاكرتها الجمعية المحفوفة بالجمال والدفء الإنساني. كان اسمه مرادفًا للحلوى الراقية، والذوق الرفيع، والنقاء الذي يسبق الصنعة، حتى أصبحت حلواه جزءًا من طقوس الأفراح والمناسبات، وعنوانًا من عناوين البهجة في البيوت الأم درمانية والسودانية عامة.
ثم دارت الأيام دورتها، وتوثّقت صلتي به لاحقًا في إطارٍ إنسانيٍّ نبيل، كعلاقة طبيبٍ بمريضه. وهناك، في تلك المساحة الممتدة بين التشخيص والعلاج، اكتشفت فيه ما هو أكبر بكثير من مجرد صانع حلوى ذائع الصيت؛ وجدتُ إنسانًا استثنائيًا صيغ من طينة التهذيب العالي، وعُجن بماء المروءة واللطف والكرم. كان عذب الحديث، واسع القلب، ممتدًا كالنيل في عطائه ومحبته، يملك كاريزما آسرة تجبر كل من يجالسه على أن يرفع له القبعات احترامًا وتقديرًا ومحبة.
لقد كان يمثّل بحق ذلك النموذج الأم درماني الأصيل والفريد؛ الإنسان الذي يجمع بين إتقان الصنعة ونظافة اليد والضمير، وبين حسن المعاملة وبشاشة الوجه والذوق الرفيع. لم يكن يقدّم الحلوى وحدها، بل كان يقدم معها الفرح، ويغلّفها بالمودّة والإنسانية، حتى صار حضوره جزءًا من ذاكرة الناس الجميلة، ومن صور المناسبات السعيدة التي لا تغيب عن الوجدان.
ومثل هذه الشخصيات النادرة لم تكن مجرد أصحاب مهن أو تجار ناجحين، بل كانوا أعمدةً خفية تسند النسيج الاجتماعي والوجداني للمدينة، وخيوطًا ذهبية تربط الناس ببعضهم البعض. كانوا يزرعون المحبة في القلوب دون تكلف، ويتركون في الأرواح أثرًا عميقًا لا يمحوه الغياب. ولذلك ارتبط اسم الطيب سيد مكي في وجدان أهل أم درمان برائحة الأفراح، وصفاء المجالس، وملامح الناس الطيبين الذين يمرون في الحياة مرور الكرام، لكنهم يتركون وراءهم سيرةً عطرة وظلًا ممدودًا من الذكر الحسن.
وكان إذا تحدث لا تملك إلا أن تنصت إليه بكل جوارحك؛ لا لأنه يجبرك على الاستماع، بل لأن حديثه نفسه كان يحمل من الحلاوة والعذوبة ما يفوق حلاوة ما تصنعه يداه من قناديل الحلوى. امتلك قدرةً فريدة، تكاد تكون هبةً ربانية، على بث التفاؤل وإدخال السرور إلى النفوس المتعبة، لا بعطائه المادي فحسب، وإنما بحضوره الإنساني الطاغي، وصفائه الداخلي، وتهذيبه السلوكي الرفيع الذي يشبه شمائل النبلاء وسلوك الأكابر.
وكان، رحمه الله، شديد التواضع على الرغم من شهرته الواسعة ومكانته الكبيرة في المجتمع. يستقبل الناس بوجهٍ بشوش وكلمةٍ طيبة، ويعامل الصغير قبل الكبير باحترامٍ صادق، حتى تشعر وأنت تجالسه أنك أمام رجلٍ تربى على قيم زمانٍ جميل؛ زمانٍ كانت فيه الأخلاق رأس المال الحقيقي للإنسان.
إن الحديث عن الطيب سيد مكي ليس حديثًا عن فردٍ بعينه، بل عن جيلٍ كامل من أبناء أم درمان الذين صنعوا مجد المدينة بأخلاقهم قبل أعمالهم، وبسماحتهم قبل نجاحاتهم. أولئك الذين كانت المهنة عندهم رسالة، وكانت المعاملة الطيبة جزءًا من العبادة، وكانت المحبة رأس مالهم الحقيقي في الحياة.
اللهم ارحم عبدك الطيب سيد مكي رحمةً واسعة، وتقبله قبولًا حسنًا، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. اللهم أجرِ الخير والبركة في ذريته وأهله ومحبيه، واجعل سيرته الطيبة وذكراه العطرة صدقةً جاريةً له في الدنيا والآخرة.

Leave a Reply