مجدي علي
تنتمي الفنانة التشكيلية هيا كعابنة إلى فلسطين، ليس بوصفه انتماءً هوياتيًا فقط، بل كحضور يتسرّب إلى تفاصيل تجربتها البصرية كلها. فمن أرضٍ مشبّعة بالذاكرة والتجربة اليومية والحدود، تنطلق في بناء عالمها الفني، اللوحة عندها مساحة للتأمّل في الإنسان وعلاقته بالمكان، وفي مقدمتها المرأة وموقعها وحقّها في الظهور وإعادة التمثيل.
تؤمن هيا بتوظيف الفن كأداة للتعبير المجتمعي وبناء جسور التواصل الإنساني بين المجتمعات التي تعاني من الاستعمار والتهجير، وتندرج تجربتها ضمن مسار فني فلسطيني يوظّف الصورة كفعل مقاوم للغياب، ووسيلة لحفظ الذاكرة وإعادة وصل الإنسان بأرضه، مع إبقاء المرأة في مركز الاشتغال البصري بوصفها حضورًا متغيرًا يُعاد قراءته باستمرار بعيدًا عن القوالب الجاهزة، وبما يفتح المعنى على أفق أوسع وأكثر حرية.
وُلدت هيا كعابنة في الأردن عام 1991، ثم انتقلت للعيش في فلسطين، وتحديدًا في أريحا والأغوار، حيث تركت البيئة المفتوحة هناك أثرها الواضح على حسّها البصري. لاحقًا درست الفنون الجميلة في جامعة القدس، وهناك بدأت ملامح مشروعها الفني تتبلور بشكل أكثر وضوحًا، قائم على التجريب وعدم الاكتفاء بشكل واحد للتعبير.
في أعمالها، تظهر المرأة بوصفها محورًا أساسيًا. ليست شخصية عابرة داخل اللوحة، بل حضور كامل يحمل طبقات من المعنى: صمود، انتظار، وارتباط عميق بالأرض. المرأة عند كعابنة ليست نموذجًا جاهزًا، بل كائن يعيش داخل مساحة تتغير باستمرار؛ أحيانًا تكون مغلقة ومحدودة، وأحيانًا أخرى مفتوحة على امتداد واسع يشبه الحلم.
هذا الاشتغال على العلاقة بين المرأة والمكان يرافقه اهتمام واضح بالفضاء المحيط، وكيف يمكن للجدران أو الحدود أو حتى الفراغ أن تؤثّر في حركة الإنسان وشعوره بذاته. لذلك تبدو بعض أعمالها مشحونة بإحساس بالضغط، بينما تنفتح أخرى على ضوء ومساحات أرحب.
أسلوبها البصري يميل إلى البساطة في رسم الملامح، خصوصًا الوجوه والعيون، لكنها تبقى مشحونة بالتعبير. العين في لوحاتها ليست تفصيلًا جماليًا فقط، بل نقطة مركزية تنقل الحالة النفسية للشخصية: قلق، انتظار، أو حتى صمت طويل. كما تستخدم ألوانًا تميل إلى الأرضي والدافئ، مع تداخلات لونية أكثر حدة أحيانًا لخلق توازن بين القسوة والاحتمال.
ولا تنفصل أعمالها عن السرد. فكل لوحة تقريبًا تبدو كأنها لقطة من قصة أكبر غير مكتملة، ما يجعل المتلقي أمام مشهد يحتاج إلى تأمّل أكثر من كونه مجرد رؤية سريعة. وتظهر في أعمالها رموز بسيطة لكنها واضحة الدلالة: طيور، نباتات، أو عناصر صغيرة تشير إلى الحرية أو الحياة المؤجلة.
شاركت كعابنة في مشاريع فنية مهمة داخل فلسطين، من بينها مشروع “جدران الصمود” في مخيم عايدة، حيث تحوّلت الجدران إلى مساحة رسم جماعية تحمل فكرة التضامن والمقاومة البصرية. كما أقامت معرضها الفردي الأول “بعمر الورد” في فندق “ذا وولد أُوف” في بيت لحم، وهو مكان يحمل بدوره دلالة سياسية واضحة تتقاطع مع فكرة الجدار والواقع الفلسطيني.
شاركت أيضًا في معارض داخل فلسطين وخارجها، ووصلت أعمالها إلى منصّات دولية، إضافة إلى حصولها على منحة استوديو الفنون البصرية من مؤسسة عبد المحسن القطان عام 2021، والتي أتاحتها فرصة لتطوير تجربتها في أريحا.
لا تقف تجربة هيا كعابنة عند حدود الاشتغال التشكيلي بوصفه فعلًا جماليًا، بل تمتد إلى محاولة أعمق لاقتناص الإنسان داخل هشاشته وتعقيد شروطه، خصوصًا المرأة، ثم إعادة صياغته بصريًا بما يجعله أقرب إلى نبض الحياة اليومية، لا إلى تمثلاتها البعيدة أو المتخيلة.

Leave a Reply