هل تميل المجتمعات إلى تنميطَ الآخر؟

صحيفة الهدف

* أحمد الليثي*

بعد كل حادثة عنف كبرى يعود السؤال نفسه: لماذا يتحول فعل فرد إلى وصمة تلاحق جماعة كاملة؟

الحقيقة أن النزعة إلى التعميم ليست صفة غربية بقدر ما هي نزعة إنسانية موجودة في معظم المجتمعات. ففي أوقات الخوف والصدمة يبحث الناس غالبًا عن تفسير سريع وبسيط، فينتقلون من الحكم على الجاني إلى الحكم على الجماعة التي ينتمي إليها دينًا أو قومية أو عرقًا أو جنسية.

وقد رأينا ذلك بوضوح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حين لم يقتصر الغضب على منفذي الهجمات، بل امتد إلى ملايين المسلمين والعرب، بل وطال حتى بعض السيخ الذين لا علاقة لهم بالإسلام أصلًا، بعد أن وقعوا ضحية الخلط والتنميط في أجواء الخوف والغضب التي أعقبت الهجمات.

وفي علم النفس الاجتماعي يُعرف جانب من هذه الظاهرة بما يسمى التحيز خارج الجماعة (Outgroup Homogeneity Bias)، وهو ميل الناس إلى رؤية أفراد الجماعات الأخرى على أنهم متشابهون إلى حد بعيد، بينما يرون جماعتهم هم أكثر تنوعًا وتعقيدًا.

ولهذا قد يُنظر إلى الج.ريمة التي يرتكبها فرد من جماعةٍ ما على أنها فعلٌ فردي، بينما تُفسَّر الج.ريمة ذاتها بصورة مختلفة عندما يرتكبها شخص من جماعة أخرى، إذ يسهل ربطها بهوية الجماعة التي ينتمي إليها لا بشخصه وحده.

وهذه الظاهرة ليست حكرًا على الغرب أو الشرق، بل تكاد تكون سمةً إنسانيةً عامة تظهر بأشكال مختلفة في مختلف المجتمعات والثقافات، خاصة في أوقات الخوف والتوتر والاستقطاب.

ورغم أن المجتمعات الغربية تمتلك تقاليد قانونية وإعلامية تدافع عن مبدأ المسؤولية الفردية وترفض التعميم، فإن هذه المبادئ تتعرض للاهتزاز أحيانًا تحت ضغط الخوف والاستقطاب السياسي. عندها يصبح الانتقال من “هذا الشخص ارتكب الج.ريمة” إلى “هؤلاء الناس يشبهونه” أقصر مما نتخيل.

المشكلة أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير. فالجماعات البشرية ليست كتلًا متجانسة، بل عوالم كاملة من الاختلافات والتناقضات. لكن المشاهد الصادمة تختزل هذا التعقيد كله في صورة واحدة يسهل تداولها وتذكرها.

قد يكون هذا التعميم ظالمًا، لكنه واقع تكرر في التاريخ مرارًا. ولذلك تبقى مسؤولية المجتمعات والإعلام والقادة السياسيين هي مقاومة هذا الميل الدائم إلى اختزال ملايين البشر في أفعال قلة منهم.

فالعدالة تبدأ حين نحاسب الأفراد على أفعالهم، لا الشعوب على هوياتهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.