دروب الحقيقة: واقع المراعي والرّعي في السُّودان والمشاكل التي تواجه الرعاة

صحيفة الهدف

أحمد مختار
يضم السُّودان بيئات متنوعة غنية بنباتات المراعي الطبيعية تغطي حوالي 744 كلم مربع، أي حوالي 29% من مساحة البلاد، وتُمثّل الحشائش 43% والشٌجيرات 9% منها، وتوفّر المراعي الطبيعية 80% من الاحتياجات الغذائية للقطيع القومي الذي يُقدر ب 105 إلى 112 مليون رأس، وتُساهم في إعاشة المجتمعات الريفية والرّعوية، وأكبر كثافة للثّروة الحيوانية تتوزع في كردفان الكبرى ودارفور الكبرى والنيل الأبيض والنيل الأزرق عبر مسارات الرّعي التقليدية التي تمتد بين الشّمال والجنوب، خاصة مسار وسط السُّودان من الجزيرة والنيل الأبيض إلى جبال النوبة. وتواجه المراعي والرعاة مشاكل عديدة، لها تأثير بالغ على حياتهم واستقرارهم،
منها تدهور المراعي نوعياً وكمياً، ونقص الحيز المكاني للمراعي، وسيادة نباتات غير مستساغة للثروة الحيوانية، واختفاء الحشائش عالية القيمة الغذائية، والأعشاب المعمّرة. وبسبب الجفاف. فُقدت 80% من مصادر غذاء الثروة الحيوانية.
وتعاني المراعي من التّعدي الزراعي وزحف الزراعة الآلية المطرية على مسارات الرّعي التقليدية، ويمثّل معدل التعدي السّنوي على المسارات 3% في منطقة القضارف. بعد العام 1999م، زاد التعدي بشدة على المراعي، وقد أدى الانحسار المستمر في أراضي المرعى، لإجبار الرعاة على ترك المهنة،
بالإضافة لنقص المياه وتوزيعها السّيء، وعدم توفّر الماء والكلأ في مكان واحد، وأغلب المراعي الجيدة موسمية، وتعاني من الجفاف المتكرر بسبب تغيّر المناخ، مما يضطر الرعاة للبقاء فترات أطول في مناطق الرّعي الغنية، وهذا يسبّب احتكاكات ونزاعات مع مجموعات المزارعين المستقرين، وقد أدّت الحروب والنزاعات إلى تلوّث المراعي بالقصف والذّخائر، وإغلاق مسارات الرّعي بسبب العمليات العسكرية المتكرّرة، وإلى عمليات نهب وسلب واسعة الماشية بين أطراف الحرب العديدة، فنزح نتيجة لهذه العوامل الكثير من الرعاة لدول الجوار، ونفقت أعداد كبيرة من الماشية، وتضرر أكثر من 7 مليون شخص يعتمدون على الرعي. كما تُعاني المراعي والرعاة من ضعف الخدمات، ومن الملكية المشاعة للمرعى بلا إدارة، وغياب الخدمات البيطرية على مسارات التّرحال، وضعف الرّقابة البيطرية والتّطعيم، ولا تُوجد مسالخ بمواصفات قانونية، وتنتشر أمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان مثل السّعر والسّل، ويعاني هذا القطاع من كثرة النزاعات بين الرّعاة والمزارعين، ومن التّوسع الزّراعي الذي يقطع مسارات الترحال، ومن منع دخول الحيوان المزارع بعد الحصاد، لأن أصحاب المزارع أصبحوا يحتفظون بمخلّفات حصاد مزارعهم لحيواناتهم، أو للبيع، وهو ما ولّد صراعات متكرّرة، خاصة في دارفور وكردفان والنّيل الأبيض،
ويأتي تغيّر المناخ وقلّة الأمطار -أقل من 18 يوم في السّنة أحياناً- والجفاف المتكرر، والفيضانات في بعض المناطق إلى اختفاء المراعي الدائمة، وتآكل التّربة بسبب الرّعي الجائر وعمليات التّصحر،
وفَقدَ كثير من الرعاة مواشيهم بسبب تقلّص المراعي والحروب، واضطروا لترك المهنة نهائياً. وكان لإلغاء نظام الإدارة الأهلية أو تدجينها عبر التّسييس، وغياب التّعليم، دور كبير في جعل الرعاة بلا صوت في القرارات التي تمس نظام حياتهم، حيث غابت حقوقهم في الأرض، لأنهم لا يملكون حقوق ملكية للأرض التي يرعون فيها، بعكس المزارعين، ويطالب الخبراء بحقوق الرعاة في أراضي الرّعي والمياه على قدم المساواة مع المزارعين. ومن المشكلات المزمنة التي تواجههم سوء الوصول للمياه والخدمات البيطرية والتّعليم والصّحة، حيث يتركّز الدّعم الحكومي غالباً على الزّراعة المروية ويُهمل الرعي، ودفعت الحروب في دارفور وكردفان، كثير من الرعاة للّجوء لإفريقيا الوسطى وتشاد بحثاً عن مرعى مستقر، وإنْ كان بلا خدمات بيطرية، ولا تعليم.
ويُعاني القطاع من عُقدة الدونية والاهمال في الخطط الرّسمية، لصالح استيراد سلالات أجنبية بدل تطوير المحلية، و يقترح الخبراء لمعالجة هذه المشكلات، العناية بالمراعي و استزراع أنواع ذات قيمة غذائية عالية، وجمع بذور النباتات المحسّنة ونثرها في مواسم الأمطار، وإدارة المسارات وترسيمها، لتسهيل الوصول للمراعي وتجنّب النزاعات، وإدخال الحيوان في الدّورة الزّراعية، والسٌماح بالرّعي في مخلفات الحصاد، وتقديم خدمات على المسارات، مثل: توفير مياه وخدمات بيطرية على طول مسارات التّرحال ومناطق الرّعي، ودعم حقوق الرُّعاة والاعتراف بحقوقهم في الأرض والمياه، وإشراكهم في التّخطيط، وإحياء نظام الإدارة الأهلية، واعطائها دورها كاملاً وتفويضها صلاحيات في تنظيم المسارات وحل النزاعات، فالمراعي تغطي ثُلث السُّودان وتُطعم 80% من الثّروة الحيوانية، لكنها تتدهور بسرعة مخيفة بسبب التّوسع الزراعي والجفاف والحروب والاهمال، ويدفع الرّعاة الثّمن الأكبر، بفقدان المراعي، وموت مواشي، والنزوح المستمر ونقص مسارات الرّعي للخدمات البيطرية والاعتراف بحقوقهم، ولكل ذلك فإنّ قطاع الثروة الحيوانية مهدد بالانهيار مالم تقف الحرب ويتم تدارك مشكلاته المتجددة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.