اقتصاد الركام: خارطة طريق للانتقال من الجباية الحربية إلى الإنتاج والسيادة

صحيفة الهدف

 ماجد الغوث
مقدمة: تشخيص الانهيار: إن ما تشهده العاصمة والأرياف اليوم ليس مجرد أزمة ندرة عابرة، بل هو النتيجة الحتمية لتحول الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد حرب ريعي طفيلي. عندما تخرج ولاية المال العام عن وزارة المالية، وتتحكم شبكات المصالح والسوق السوداء في الوقود والخدمات الأساسية، يصبح المواطن هو الضحية الأولى لجباية غير عادلة تفرض عليه دفع قيمة الخدمات كالعلاج والتعليم مرتين: مرة عبر الضرائب والتضخم، ومرة تأميناً لبقائه على قيد الحياة في ظل غياب الدولة.
أولاً: أين المخرج؟ الرؤية الهيكلية لحل الأزمة: إن حل مشكلة الكهرباء، والمياه، والطرق، وتوفير الوقود بأسعار عادلة لا ينبع من حلول مسكنة أو معونات مؤقتة، بل يتطلب ثورة في إدارة الموارد الوطنية تترخص في ثلاثة محاور اقتصادية عاجلة:
1. الولاية الكاملة لوزارة المالية على المال العام: تفكيك اقتصاد الظل والموازي لشبكات المصالح والمليشيات التي تسيطر على مفاصل الذهب والمعابر. إن الأموال المهدرة في قنوات الاقتصاد الخفي كفيلة -إذا ما ضُبطت وأُخضعت للمراجع العام- بتمويل محطات الكهرباء وصيانة شبكات المياه المدمرة في الخرطوم والولايات.
2. إعادة صياغة أولويات الإنفاق الخدمات كحق لا كسلعة: التعليم والصحة في سودان المستقبل يجب ألا يخضعا لمنطق الدفع المسبق. الرؤية الاقتصادية البديلة تفرض تحويل ميزانيات الجباية والأمن غير المنتج إلى صناديق دعم مباشرة للمستشفيات الحكومية والمدارس، مع إصلاح النظام المصرفي والتحول الرقمي لضمان وصول الدعم لمستحقيه ومحاربة التهرب الضريبي الذي يغذي السوق السوداء.
3. التحول نحو الاستقلال الطاقي البنية التحتية المستدامة: ربط المياه بالكهرباء التقليدية في بلد يعاني هشاشة أمنية هو خطأ استراتيجي. الحل الاقتصادي يكمن في إعطاء الأولوية القصوى لمشاريع الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية لتشغيل محطات المياه والمرافق الحيوية بشكل مستقل، لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد الذي يباع بأسعار الصرف الموازية.
ثانياً: تفكيك دولة المركز الفيدرالية الاقتصادية كعلاج للأرياف: معاناة الأرياف، حدث ولا حرج ناتجة عن حصر التنمية تاريخياً في المركز. الحل الاقتصادي المستدام يفرض نظاماً فيدرالياً حقيقياً يضمن بقاء النسبة الأكبر من عائدات الموارد الطبيعية كالزراعة والمعادن والذهب داخل الإقليم المنتج لتنمية إنسانه وبنيته التحتية أولاً، بدلاً من تصديرها كخام وتهريب عائداتها للخارج.
إلى أين سنصل؟ إن الإجابة على سؤال إلى أين سنصل تعتمد على مدى شجاعتنا في تبني القطيعة الشاملة مع نهج التسويات الفوقية وإعادة تدوير النخب الفاشلة. الحل يبدأ من الوعي بالتاريخ وإرادة البناء فإعادة بناء شبكات المياه، وطرق الأسفلت المدمرة، وتوفير الدواء، لا تحتاج إلى معجزات، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تضع السودان أولاً، وتعيد دمج كل موارد الأرض تحت رقابة دستورية وشعبية صارمة تضمن أن يذهب خير هذا البلد لخدمة مواطنه الصابر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.