- “القلق المقدس” لازم الدولة السودانية منذ الاستقلال وإشكالية الهوية نتاج لفشل الإدارة لا الثقافة
-
نظرية المركز والهامش تعاني قصوراً منهجياً لتجاهلها الإرث الاستعماري العميق
-
تيارات الإسلام السياسي تعطل تطور المجتمعات وتعتمد عقلية النقل لا النقد
في هذا الحوار، يتناول الكاتب والمحلل السياسي، أحمد محمود، رؤيته للأزمة السودانية الراهنة، وإشكالية الهوية، ونقد نظرية المركز والهامش، وتقييمه لتجربة الإسلام السياسي، إضافة إلى مشروعه الفكري والبحثي ورؤيته لمستقبل البلاد. ويقدم قراءة نقدية لعدد من القضايا التي ظلت حاضرة في كتاباته ومساهماته الفكرية خلال السنوات الماضية.
حوار: عبد المنعم مختار
◼️ من واقع معايشتك للتجربة السودانية.. هل كانت هنالك مؤشرات مبكرة تنبئ بما آلت إليه الأوضاع في السودان اليوم؟
يمكن توصيف الحالة التي يعيشها السودان، وتحديداً منذ الاستقلال، بحالة من “القلق المقدس” بالنسبة لكل المهتمين بالشأن الوطني. فمنذ البدايات كانت طريقة إدارة الدولة تعزز هذا القلق، إذ ظل السودانيون يتطلعون إلى مستقبل أفضل لوطنهم، بينما كانت البلاد تدور في حلقة مفرغة بين فترات ديمقراطية قصيرة وانقلابات عسكرية متكررة.
بهذا المعنى، كانت النظرة إلى مستقبل السودان محكومة بهذا الواقع المضطرب، لكنني، وحتى وقت قريب، لم أتوقع أن تبلغ الأوضاع هذا المستوى من التدهور الذي نشهده اليوم عبر هذه الحرب الدامية وما خلفته من دمار إنساني ومجتمعي واسع.
◼️ نلاحظ أن سؤال الهوية حاضر بكثافة في كتاباتك، لماذا يشغلك هذا السؤال تحديداً؟
سؤال الهوية ليس سؤالاً عابراً، بل هو جزء من سؤال النهضة نفسه، لأن أي شعب لا يستطيع تحديد موقعه في العالم دون أن يحدد هويته على أسس تاريخية وثقافية واضحة.
في السودان برزت إشكالية الهوية في سياق الصراع السياسي، واتخذت شكلاً استقطابياً بين ما هو عربي وما هو أفريقي. وقد تأسست على ذلك خطابات حادة حملت الثقافة العربية الإسلامية مسؤولية الإخفاق التاريخي في السودان، وهو ما أراه طرحاً غير منهجي، لأن المشكلة في تقديري تكمن في أخطاء إدارة الدولة لا في الثقافة نفسها.
من هنا جاء اهتمامي بالهوية، ليس دفاعاً عن الثقافة العربية فحسب، بل دفاعاً عن فكرة الدولة السودانية الموحدة. فأنا أرى أن الهوية السودانية تتأسس على البعدين العربي والأفريقي معاً، دون تناقض جوهري بينهما، وأن أي مشروع وطني لا يستوعب هذا التعدد محكوم عليه بالفشل.
◼️ هل تعتقد أن هناك أزمة هوية في السودان؟ وكيف يمكن مقاربة هذه الإشكالية؟
أزمة الهوية في جوهرها انعكاس لفشل الدولة الوطنية في تحقيق العدالة والتنمية المتوازنة بين الأقاليم المختلفة. لقد عجزت القوى السياسية التي حكمت السودان عن بناء مشروع وطني قادر على استيعاب التعدد السوداني وتجسير الفجوة بين المركز والأطراف، وهو ما أدى إلى تحول الإحساس بالظلم والتهميش إلى خطاب هوياتي وسياسي.
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والتنموية، بدأت تظهر أصوات تعبر عن رفضها لما تعتبره هيمنة المركز على السلطة والثروة، ومن هنا برز خطاب المركز والهامش بوصفه تعبيراً عن أزمة سياسية وتنموية أكثر من كونه أزمة ثقافية أو عرقية.
إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون بإعادة إنتاج الانقسامات، وإنما عبر بناء دولة المواطنة والعدالة والتنمية المتوازنة، بحيث يشعر جميع السودانيين بأنهم شركاء في الوطن الحقوق والواجبات.
◼️ نقدت نظرية المركز والهامش، كيف تنظر إلى هذه النظرية.. وما أبرز ملاحظاتك النقدية عليها؟
لقد نشأت نظرية المركز والهامش في سياق نقد فشل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، لكنها في تقديري تعاني من قصور منهجي يتمثل في أنها تبدأ تحليل الأزمة السودانية من عام 1956 وتتجاهل التأثيرات العميقة للمرحلة الاستعمارية.
فالاستعمار التركي ـ المصري ثم الاستعمار البريطاني لعبا دوراً كبيراً في تشكيل بنية الدولة السودانية واختلالات التنمية وتوزيع السلطة والثروة، وهو ما لا يمكن تجاوزه عند دراسة جذور الأزمة.
كما أن النظرية تميل أحياناً إلى التعميم المخل، إذ تصور المركز باعتباره كتلة متجانسة مستفيدة، بينما الواقع أكثر تعقيداً، لأن التهميش طال قطاعات واسعة من السودانيين في مختلف الأقاليم، وإن كان بدرجات متفاوتة. لهذا أرى أن فهم الأزمة السودانية يتطلب مقاربة تاريخية أشمل تتجاوز التبسيط والاستقطاب.
◼️ تيارات الإسلام السياسي، خاصة الحركة الإسلامية في السودان، حازت اهتماماً واضحاً في كتاباتك، كيف تقرأ تجربتها؟ وما أبرز مواطن القوة والقصور فيها؟
الحركة الإسلامية في السودان جزء من ظاهرة أوسع مرتبطة بأزمة الثقافة العربية الإسلامية في عصور الانحطاط وما تلاها من محاولات لاستعادة الماضي بوصفه حلاً لمشكلات الحاضر. وأعتقد أن التيارات الدينية السياسية تمثل خطراً على المجتمعات عندما تقوم بتسييس الدين وتوظيفه لخدمة مشاريع تنظيمية ضيقة، لأنها تميل إلى تقسيم المجتمع وتعطيل تطوره الطبيعي.
إن الإشكال الأساسي في هذه التيارات يتمثل في اعتمادها على عقلية النقل أكثر من العقل النقدي، الأمر الذي يجعلها عاجزة عن فهم تعقيدات العصر ومتغيراته.
أما مواطن القوة لديها فتتمثل في قدرتها على توظيف الخطاب الديني وما يحمله من تأثير وجداني لدى الجماهير، بينما يكمن القصور في افتقارها إلى مشروع حضاري حديث ورؤية قادرة على إدارة الدولة ومؤسساتها بصورة تواكب متطلبات العصر.
◼️ لديك مشروع لنشر عدد من الكتب، أين وصل هذا المشروع؟ وما الذي تطمح إلى تقديمه من خلاله؟
نعم، أعمل حالياً على إصدار كتابين. الأول بعنوان: “حرب 15 أبريل 2023: البنية المتصدعة.. جذور وطبيعة الصراع في السودان”، ويتناول الحرب الراهنة من منظور تاريخي وتحليلي، محاولاً تفسير جذورها وعلاقتها بطبيعة الدولة السودانية والأزمات المتراكمة منذ الاستقلال.
أما الكتاب الثاني فعنوانه: “السيف والمطرقة: تفكيك خطاب الإسلاميين والطرق على الهوية”، ويتناول نقد تيارات الإسلام السياسي، إضافة إلى قضايا الهوية السودانية ونقد نظرية المركز والهامش وعدد من الموضوعات الفكرية الأخرى.
وما أطمح إليه من خلال هذه المشروعات هو الإسهام، في حدود إمكاناتي، في مشروع الاستنارة والتحديث الفكري، والعمل على تأسيس مفهوم حديث للدولة السودانية يقوم على العقلانية والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
◼️ كلمة أخيرة..
أتوجه بالشكر لصحيفة الهدف على هذا اللقاء وعلى الأسئلة العميقة والمهمة التي أتاحت فرصة لاستعادة بعض التجارب ومناقشة عدد من القضايا الفكرية والسياسية التي تشغل الساحة السودانية. كما أتمنى للصحيفة دوام التوفيق والنجاح في أداء رسالتها التنويرية، فهي تمثل منبراً مهماً في تعزيز الوعي العام وفتح مساحات الحوار الموضوعي والمسؤول حول قضايا الوطن والمجتمع.
#السودان #أحمد_محمود #الهوية_السودانية #الإسلام_السياسي #أخبار_الهدف #صوت_الحقيقة #السودان_اليوم

Leave a Reply