نحو إعادة التوازن الوطني في إريتريا: لماذا قد يكون الدور القيادي للمسلمين ضرورة تاريخية في مرحلة ما بعد أفورقي؟

صحيفة الهدف

صالح أشواك

تواجه إريتريا، مع اقتراب استحقاق الانتقال السياسي الذي سيأتي عاجلاً أو آجلاً، سؤالاً محورياً يتعلق بطبيعة الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعد نهاية الحقبة الحالية. فالتحدي الحقيقي لن يكون مجرد استبدال سلطة بأخرى، أو تغيير نخبة حاكمة بأخرى، وإنما إعادة بناء العقد الوطني على أسس أكثر عدالة وتوازناً مما عرفته البلاد خلال العقود الماضية.

ومن بين القضايا التي لا يمكن تجاوزها في هذا السياق قضية التمثيل الوطني وموقع المكونات المختلفة داخل بنية الدولة. فالتجربة السياسية التي قادتها الجبهة الشعبية بعد الاستقلال أفرزت واقعاً اتسم بقدر كبير من المركزية والانفراد بالسلطة، وانعكس ذلك بصورة واضحة على طبيعة النخب التي احتكرت القرار السياسي والعسكري والأمني. وقد أدى هذا المسار، مع مرور الزمن، إلى شعور قطاعات واسعة من المجتمع الإريتري، وفي مقدمتها قطاعات كبيرة من المسلمين، بأن مساهمتها التاريخية في صناعة الوطن لم تجد ما يقابلها من حضور متكافئ في مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ.

ولعل ما يلفت النظر في التاريخ السياسي الإريتري أن المسلمين كانوا، في مراحل مبكرة من تشكل الحركة الوطنية، الأكثر تمسكاً بفكرة الاستقلال السياسي عن إثيوبيا، والأكثر استعداداً لتحمل أعباء المقاومة المسلحة دفاعاً عن حق الإريتريين في تقرير مصيرهم. وفي الوقت الذي وجدت فيه قطاعات مؤثرة من النخبة المسيحية مصلحتها السياسية أو الثقافية في الارتباط بالمركز الإثيوبي، كانت القوى السياسية ذات الحضور المسلم تمضي في اتجاه مختلف يقوم على تأكيد خصوصية الشخصية الوطنية الإريترية وحقها في الاستقلال الكامل

ولا يعني ذلك أن جميع المسيحيين وقفوا ضد الاستقلال، كما لا يعني أن جميع المسلمين كانوا على موقف واحد. فالتاريخ أكثر تعقيداً من هذه الصورة المبسطة. غير أن الاتجاهات العامة للحركة الوطنية خلال تلك المرحلة تكشف عن دور محوري أدته البيئات المسلمة في حماية مشروع الاستقلال والدفاع عنه عندما كان ما يزال محل نزاع سياسي وإقليمي واسع.

ومن هنا تبرز مفارقة تاريخية تستحق التأمل: فالقوى الاجتماعية التي كانت من أكثر الأطراف تمسكاً بالشراكة الوطنية والتعددية السياسية أصبحت بعد الاستقلال من أقل الأطراف تأثيراً في صناعة القرار، بينما تركز النفوذ بصورة متزايدة في أيدي نخب نشأت داخل منظومة سياسية اتسمت بالنزوع إلى الاحتكار والإقصاء.

إن الحديث عن دور قيادي للمسلمين في مرحلة ما بعد أفورقي لا ينبغي فهمه بوصفه دعوة إلى استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، أو إقصاء مكون وطني لصالح مكون آخر. فذلك سيعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأدوات مختلفة. وإنما المقصود هو أن يتولى المسلمون، بحكم تجربتهم التاريخية وموقعهم الاجتماعي والسياسي، دوراً محورياً في قيادة عملية إعادة التوازن الوطني وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المساواة الحقيقية بين المواطنين.

لقد ارتبط الخطاب السياسي للمسلمين الإريتريين، في معظم مراحله التاريخية، بالدعوة إلى الشراكة والتوافق والتعايش بين مكونات المجتمع المختلفة. وحتى في أكثر مراحل الصراع الوطني حدة، لم يكن المشروع السياسي الغالب داخل الأوساط المسلمة مشروعاً قائماً على إقصاء الآخرين أو نفي وجودهم، بقدر ما كان مشروعاً يسعى إلى الاعتراف بالتنوع الإريتري وإدارته ضمن إطار وطني جامع.

ولهذا فإن الدور القيادي الذي يمكن أن يضطلع به المسلمون مستقبلاً يكتسب أهميته ليس من زاوية الانتماء الديني في حد ذاته، بل من زاوية الحاجة إلى كسر الحلقة التاريخية التي ربطت السلطة بالاحتكار، وإلى إدخال قيم الشراكة والتوازن إلى قلب الدولة الجديدة.

إن إريتريا ما بعد أفورقي ستكون بحاجة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لجميع مكوناتها الثقافية واللغوية والدينية، ويعالج آثار عقود طويلة من التهميش وعدم التوازن. وفي هذا السياق قد يكون من الطبيعي أن تتصدر القوى والشخصيات التي حملت تاريخياً خطاب الشراكة والعدالة مهمة قيادة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات.

فالمسألة في جوهرها ليست من يحكم، وإنما كيف يُحكم الوطن. غير أن التجارب التاريخية تعلمنا أن القوى التي دافعت عن التعددية عندما كانت خارج السلطة تكون غالباً أكثر قدرة على ترسيخها عندما تصبح جزءاً من عملية الحكم.

ولذلك فإن مستقبل إريتريا لن يكون أكثر استقراراً إلا إذا نجحت في تحويل مساهمة المسلمين التاريخية في صناعة الاستقلال إلى مساهمة مماثلة في صناعة الدولة، لا بوصفها امتيازاً خاصاً، بل باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة التوازن الوطني وترميم العلاقة بين الدولة ومجتمعها على أسس العدل والمساواة والشراكة الحقيقية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.