في محبة إريتريا وأهلها
مجدي علي
“برغم ما كتبتُ في هواكِ، وما سكبتُ من مدامعي،
وما نزفتُه دمًا في رباكِ،
وما يغورُ في الفؤاد من محبةٍ فداكِ”..
ولعل الشعراء وحدهم يعرفون كيف يختصرون البلاد في نداء، وكيف يجعلون اسم وطنٍ كاملٍ يرتجف بين حرفين كأنّه ذكرى.
لا أعرف على وجه الدقّة متى بدأت حكايتي مع إريتريا. بعض العلاقات أقدم من أن يُؤرَّخ لها. تأتيك كما تأتي الأنهار إلى البحر؛ لا تسأل عن المنبع لأنك مأخوذٌ بالمصب. وحين أحاول أن أفتش في الذاكرة عن البدايات، لا أجد حدودًا بين ما هو سوداني وما هو إريتري، ولا أعثر على ذلك الخط الوهمي الذي رسمته الخرائط متأخرة فوق أرضٍ كانت تعرف أهلها أكثر مما تعرف أعلامهم..
ثمّة علاقات لا تستطيع الجغرافيا أن تفسّرها وحدها، ولا تكفي السياسة لفهمها. فبين السودان وإريتريا ما هو أقدم من الحدود وأعمق من المصالح وأبقى من تبدلات الزمن. على ضفتي البحر الأحمر تعاقبت الهجرات واللغات والوجوه والحكايات، حتى غدت الضفتان أشبه بذاكرتين تتبادلان الأسرار منذ قرون. ولهذا يبدو الحديث عن شعبين متجاورين وصفًا ناقصًا أحيانًا؛ لأن ما جمع الناس هنا لم يكن الجوار فحسب، بل ذلك الامتزاج البطيء الذي يجعل المرء يعثر على شيء من نفسه في الآخر.
ولهذا أيضًا، كلما واجه أحد الشعبين محنةً أو خطرًا، بدا الآخر كأنه يستجيب لنداءٍ قديم محفوظ في الوجدان. فالعلاقة بينهما لم تُبنَ يومًا على المصالح وحدها، بل على رصيدٍ طويل من المعايشة الإنسانية. ولعل تاريخ القرن الماضي وحده يكفي شاهدًا على ذلك؛ إذ فتحت الأرض في البلدين ذراعيها لأبنائها حين ضاقت بهم السبل، وتقاسم الناس الخبز والقلق والأمل، دون أن يسألوا كثيرًا عن الفوارق التي تشغل الساسة والمؤرّخين.
في سنوات الدراسة الأولى لم نكن نملك اللغة التي تشرح هذه العلاقة. كنا نعيشها فحسب. لم يكن أحد يفكّر في تعريف الآخر أو تصنيفه أو إعادته إلى جهةٍ بعينها. كانت الصداقة تسبق الأسئلة، وكانت العِشرة اليومية تمحو تلك المسافات التي تحرص الخرائط على رسمها. ولم أفهم إلا بعد سنوات أن ما بدا لنا عاديًا آنذاك لم يكن عاديًا على الإطلاق؛ فقد كنا نعيش صورةً نادرة من صور القرب الإنساني، قبل أن نتعلّم كيف نصفها بالكلمات.
كان الإريتريون جزءًا من المشهد اليومي العادي للحياة؛ مقاعد الدراسة، وساحات المدارس، وأحاديث المساءات الطويلة، وأحلام الشباب التي كانت أكبر من أعمارنا جميعًا. لم نكن نفرّق بينهم وبيننا إلا كما يفرق المرء بين غرفتين في بيتٍ واحد.
وربما لهذا السبب لم أشعر يومًا أن الذين عرفتهم من الإريتريين كانوا عابرين في بلادنا. كثيرون منهم وُلدوا هنا، ومشوا في شوارعنا الأولى، وحفظوا أسماء أحيائنا وأسواقنا ولهجاتنا، كما حفظوا أسماء قراهم ومدنهم البعيدة. كانوا ينتمون إلى المكان بطريقتهم الخاصة؛ انتماء الذاكرة لا انتماء الوثائق.
ثم مضت الأعوام، وتفرّقت بنا الجهات، ثم التقينا مجدّدًا، واكتشفتُ ما اكتشفه كثيرون قبلي: أن الإريتريين شعبٌ يعرف دروب الغربة كما يعرف البحّار مرافئه القديمة. تراهم في المدن البعيدة كما تراهم في المدن القريبة؛ في الخليج، وفي أوروبا، وفي أطراف الأرض التي دفعتهم إليها الرياح. لكن شيئًا واحدًا لا يتغير. ذلك الدفء الإنساني الذي يحمله الإريتري معه أينما حلّ، كأنّه ميراثٌ خفي يخشى أن يفقده.
ولعل الغربة الطويلة هي التي صنعت فيهم تلك القدرة النادرة على الاحتفاظ بالناس. فبعض الشعوب تحمل أوطانها في حقائب السفر، أما هم فيحملونها في طباعهم. ولذلك لا يضيع الإريتري في المنافي؛ لأن الوطن يظل ظاهرًا في طريقته في الحديث، وفي وفائه لأصدقائه، وفي تلك المسافة القصيرة التي يقطعها سريعًا بين المعرفة والألفة.
ومن مفارقات التاريخ أن الشتات الذي طال أعدادًا كبيرة من الإريتريين لعقود طويلة لم يكن مصدر فقدٍ فقط، بل أصبح، لدى كثير من أبنائه، بابًا واسعًا على المعرفة والعالم. ففي المدن العربية التي استقروا بها، تراكمت الخبرات واتسعت الآفاق وتداخلت التجارب، فخرجت أجيال تحمل في وجدانها أكثر من جغرافيا، وتطل على العالم من أكثر من نافذة، دون أن تفقد صلتها بذلك الخيط الأول الذي يشدها إلى أرضها وذاكرتها.
وأحسب أن كثيرًا من أهل السودان يشاركونني هذا الشعور: فكلما التقيت إريتريًا في مدينة بعيدة، شعرت بشيء يشبه العثور على صفحة قديمة سقطت من كتاب العمر. لا تبدأ العلاقة من الصفر، بل تستأنف حديثًا انقطع بالأمس فقط. وهذا، في ظنّي، من أسرار المحبة بين شعبينا؛ أننا لا نتعارف، بل نتذكّر.
كانت إريتريا تمر في وعينا اليومي بطريقة يصعب تفسيرها. لم تكن خبرًا بعيدًا يقع في بلدٍ آخر، بل جزءًا من حديث البيوت والمقاهي والقلوب. كانت أسماء المدن والجبال تتردّد حولنا حتى فقدت غرابتها، وصارت مألوفة كأسماء الأقارب. وربما لهذا شعر كثير من السودانيين أن استقلال إريتريا لم يكن حدثًا يخص الآخرين وحدهم، بل نهاية فصل طويل من الانتظار عاشوا بعض فصوله بوجدانهم.
وحين أتأمل سيرة هذا الشعب، يخطر لي أنه يشبه سواحل البحر الأحمر نفسها؛ تعبرها العواصف وتعود إليها الأمواج، لكنها تظل محتفظة بملحها الأول. تاريخٌ طويل لا يبدأ من سنوات النضال الحديثة ولا ينتهي عندها، بل يمتد عميقًا في طبقات الزمن، حيث الحضارات القديمة، وقوافل التجارة، وحكايات البحر، وتلك القدرة النادرة على البقاء.
ولعل أجمل ما في إريتريا أنها لم تترك تاريخها في الكتب وحدها، بل أبقته حيًا في وجدان أهلها. تراه في الأغنيات التي تفوح منها رائحة السفر والحنين، وفي القصائد التي تمشي بين الشجن والكبرياء، وفي الرقصات التي تبدو كأنها انتصارٌ صغير للحياة على كل ما حاول أن يثقلها.
وأعترف أنني كلما اقتربت من الثقافة الإريترية ازددت يقينًا بأن الشعوب تُعرَف بما تحفظه أرواحها لا بما تملكه خزائنها. ففي شعرهم ذلك الشجن البحري العتيق، وفي أغنياتهم إيقاع الرحيل والعودة، وفي حكاياتهم ذلك المزيج النادر من الصبر والكبرياء. وقد عشنا ذلك كله سنوات طويلة حتى صار جزءًا من ذاكرتنا نحن أيضًا؛ نحفظ بعض الأغنيات كما نحفظ وجوه أصحابها، ونتذكّر بعض القصائد كما نتذكّر الأماكن التي سمعناها فيها أول مرة.
كل الشعوب تقريبًا تبحث عن المشتركات التي تقرّب بينها؛ عن تاريخٍ مشترك، أو لغةٍ مشتركة، أو مصالح مشتركة. أما بين السودان وإريتريا فالأمر مختلف قليلًا. فالمشترك لم يكن شيئًا نبحث عنه، بل شيئًا وجدناه حاضرًا قبل أن نلتفت إليه. ولذلك يصعب أحيانًا تفسير هذه العلاقة، لأن ما هو عميق في حياة البشر لا ينشأ دائمًا من الوقائع الكبرى، بل من التفاصيل الصغيرة التي تتكرّر عبر الزمن حتى تصبح جزءًا من الوعي الجمعي: جارٌ قديم، وصديق دراسة، ورفيق غربة، وحكايات متوارثة، وذاكرة لا تعرف على وجه الدقة أين تنتهي حدودها.
لهذا، حين يكتب السوداني عن إريتريا، لا يشعر أنه يكتب عن بلدٍ آخر، بل عن جزءٍ من الذاكرة، وعن وجوهٍ ما زالت تسكن القلب، وعن أصدقاء فرّقتهم المنافي ولم تفرّقهم الأيام، وعن شعبٍ كلما ابتعد في الجغرافيا اقترب أكثر في الوجدان.
أكتب الآن، وفي شاشة الذاكرة تتزاحم عشرات الأسماء والوجوه؛ أصدقاء وأحبّة عبروا العمر معي، وتقاسمنا مقاعد الدراسة، وأرصفة المدن، وأيام الفرح والضيق. وإنني لأخشى أن أشرع في تعدادهم، فالمجال أضيق من أن يتسع لهم فردًا فردًا، والمحبّة أوسع من أن تُحصر في قائمة أسماء..
من مدني وكسلا والخرطوم والقضارف ومدن السودان كلها، إلى بغداد الوضيئة التي جمعتنا تحت سمائها يومًا، ثم إلى المنافي البعيدة وبلدان الشتات التي تفرّقت بنا فيها السبل، ظل أولئك الأصدقاء الإريتريون جزءًا من حكايتي الشخصية، وجزءًا من ذلك الزمن الذي لا يغادر الإنسان مهما ابتعد عنه.. لهم جميعًا، أينما كانوا، محبتي التي لا تنقطع، وامتناني لما تركوه في القلب من أثرٍ جميل لا تمحوه المسافات ولا تبدده السنوات.
وأحسب أن بعض المحبّة تصبح، مع الزمن، جزءًا من تكويننا الداخلي؛ تشبه الأشياء التي لا ننتبه إلى حضورها إلا حين نحاول تخيّل العالم من دونها.
هكذا تبدو لي إريتريا.
ليست مجرد بلدٍ عرفته، ولا شعبًا أحببته، بل طبقةً راسخة من طبقات الذاكرة؛ كلما تقدّم العمر اكتشفتُ أنها كانت تسكنني أكثر مما كنت أسكنها، وأن حضورها في وجداني أعمق من أن تفسّره الجغرافيا، وأبقى من أن تحدّه المسافات.
ولذلك لا أبحث لهذه المحبة عن تفسير، فبعض العلاقات تبلغ من الرسوخ حدًّا تصبح معه جزءًا من طبيعة الأشياء. وإريتريا، في وجداني، ليست جارًا على الضفة الأخرى، بل امتدادٌ لذاكرةٍ مشتركة؛ كلما ابتعدت في الجغرافيا اقتربت أكثر في القلب.

Leave a Reply