دعوة للنقاش: المنصّات الثقافية تتحوّل لمسارح مجاملات.. لماذا يهرب القرّاء من التفاعل الحقيقي؟

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

في الفضاء الرقمي الذي اتّسع حتى صار مرآةً للمجتمعات، تبدو منصّات التواصل الاجتماعي وكأنها تمنح الجميع حق الكلام، لكنها في العمق تكشف أيضًا طبيعة علاقتنا بالكلمة، وبالحوار، وبالاختلاف. ومن بين أكثر الظواهر وضوحًا في المشهد السوداني ذلك الصمت الثقيل الذي يرافق النصوص الفكرية والأدبية، مقابل التفاعل الكثيف مع الأخبار اليومية وجرائم القتل والخطف والاغتصاب والفضائح الاجتماعية.
فخبر وفاة، أو حادثة عائلية، أو قصة نجاح عابرة، قد يستدعي عشرات التعليقات خلال دقائق، بينما تمرّ مقالات تحاول مساءلة الواقع أو نصوص مشبعة بالتأمل والجمال دون أن تترك خلفها سوى أثر الإعجاب الصامت، أو الفراغ الكامل.
وهذا لا يعني أن القارئ السوداني عاجز عن التفاعل؛ بل على العكس، فهو يمتلك حسًا اجتماعيًا عاليًا، وقدرة واضحة على المشاركة والانفعال والتعليق. لكنه حين يقترب من النصوص الثقافية والفكرية، يتراجع غالبًا إلى منطقة الصمت، وكأن الكتابة الجادة تتحول إلى مساحة مهيبة يخشى الاقتراب منها، بدلًا من أن تكون مائدة حوار مفتوحة.
وربما يعود ذلك إلى أسباب متشابكة، منها الخوف من الوقوع في الخطأ اللغوي أو الفكري، أو القلق من أن يُفهم الاختلاف بوصفه خصومة شخصية. ففي بيئات كثيرة لا يزال النقد يُستقبل باعتباره إهانة، لا مساهمة في تطوير الفكرة. كما أن التربية الاجتماعية تقوم على المجاملة وتجنّب المواجهة، حتى أصبح كثيرون يفضّلون الصمت على إبداء رأي قد يزعج الآخر.
ثم جاءت الحرب بحمولتها الثقيلة من الإنهاك النفسي والانقسام الرأسي في المجتمع، فأصبح الإنسان محاصرًا بهموم النجاة، مفتقرًا إلى الطاقة اللازمة للتأمل والنقاش العميق، وخائفًا من التصنيف والانحياز. فالحروب لا تدمر المدن وحدها، بل تضعف شهية العقل للحوار، وتجعل الاهتمام ينصرف إلى الأخبار السريعة والانفعالات اللحظية بدلًا من الأسئلة الفكرية الكبرى.
لكن الأزمة لا تكمن فقط في قلّة التفاعل، بل في طبيعة التفاعل نفسه. فمع الوقت تحوّلت كثير من التعليقات إلى عبارات جاهزة تُقال من دون قراءة حقيقية للنص: “عظمة”، “إبداع شديد”، “كلام يُكتب بماء الذهب”، حتى تحت نصوص مرتبكة أو مكرّرة أو فقيرة المعنى.
وهنا تفقد المجاملة براءتها، وتتحوّل من لفتة اجتماعية لطيفة إلى شكل من أشكال الإفساد الثقافي غير المقصود.
فالكاتب الذي يعيش وسط التصفيق الدائم قد يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية مواطن الضعف في نصوصه. ومع الزمن تتكوّن حوله هالة من الوهم، يظن داخلها أن كل ما يكتبه مكتمل وناضج، بينما الحقيقة أن الإبداع لا ينمو في بيئة خالية من الأسئلة.
وفي المقابل، فإن النقد القاسي أو المتعالي لا يقل ضررًا، لأنه يحوّل الحوار إلى معركة، ويدفع الكاتب إلى الانغلاق أو الدفاع العصبي عن نفسه بدلًا من الإصغاء والتطوير.
لهذا تبقى القيمة الحقيقية في ذلك النوع النادر من التعليقات: التعليق الصادق المهذب، الذي يقرأ النص فعلًا، ويحاول فهمه قبل الحكم عليه.
فهناك فرق شاسع بين أن نقول لك: “أبدعت كعادتك”، وبين أن يقول قارئ: “الفكرة عميقة واللغة جميلة، لكن النهاية جاءت سريعة، وكان يمكن التوسع أكثر في الجانب الإنساني للنص”.
التعليق الثاني لا يمنح الكاتب مجاملة عابرة، بل يمنحه فرصة لرؤية نصه من زاوية أخرى، ويؤكّد له أن هناك قارئًا دخل إلى العمل بوعي واحترام.
إن التفاعل الواعي ليس خدمة للكاتب وحده، بل هو فعل ثقافي متكامل؛ لأنه يخلق بيئة حية للحوار، ويعيد للكلمة قيمتها، ويحرّر القراءة من كونها استهلاكًا صامتًا إلى كونها مشاركة في إنتاج المعنى. فالثقافة لا تزدهر بالتصفيق الجماعي، بل بالنقاش والاختلاف وإعادة التفكير.
وحين تغيب هذه الروح، تتحول المنصّات الثقافية إلى مسارح للمجاملات المتبادلة، حيث يوزّع الجميع المديح على الجميع، بينما يتراجع النقد الحقيقي، وتضعف الذائقة العامة، ويصبح الرد السريع أهم من الفكرة نفسها.
إن ما يحتاجه الكاتب فعلًا ليس جمهورًا مصفقًا، بل قارئًا يمتلك الشجاعة الكافية ليقول رأيه بصدق، والذائقة الكافية ليميّز بين القوة والضعف، والإنصاف الكافي ليوازن بين التشجيع والملاحظة.
فالكتابة الحقيقية لا تنمو في العزلة، ولا تحت أضواء المديح المستمر، بل تنضج عبر الحوار والاختبار والاحتكاك بالعقول المختلفة.
ولعل أولى خطوات الإصلاح تبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة النقد نفسها، بوصفه فعل محبة للكتابة لا فعل عداء للكاتب. وأن يتعلّم القارئ أن رأيه البسيط قد يفتح نافذة جديدة في النص، وأن يتعلّم الكاتب بدوره أن الملاحظة الموضوعية ليست طعنًا في موهبته، بل فرصة لتطويرها.
فالكلمات الصادقة قد تنقذ نصًا من الضعف، وتدفع كاتبًا نحو النضج، أما المجاملة الزائدة فقد تقتل النص ببطء، وتدفع الجميع إلى العمى.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.