أحمد عمر شيخ
تتهادى خُطى الكلام على أوتار القلوب المُفعمة بحبّ (السودان) العريض، شريطُ حلمٍ يترقرق على “أيقونة” الندى وظلال الذكريات الوامقة. سنوات الصبا، والآباء وهم يرتّلون مع غناء أحمد المصطفى، وردي، عائشة الفلاتية، صدح الأماسي الجميلة، شواهد الزمن الجميل في كرن، أسمرا، مصوّع، أفعبت، تسني، أغوردات، قندع.. وأينما أقام الإريتريون والإريتريات في مهاجرهم وألوان الشتات العريض.
لتستفيق سنوات الدراسة الجامعية، وأنا أتخطّف صحف ومطبوعات السودان: (ألوان)، (الميدان).. متماهيًا مع دفء الحروف الولودة، وملامح إنسان البلد، الجار، الحميم، حيث تأتينا تلك الجرائد في كشك جامعة الملك عبد العزيز بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية، ونحن نتمايل مع إيقاع ليالي أوتار الغناء البليلة، وعزف بعض الطلبة السودانيين وشدوهم في السكن الجامعي بعد انتهاء الدروس والأنشطة الطلابية: نادي التشكيل والأدب.
متنقلًا عبر زوارق النيل الذي لم أره إلى ذلك الحين، ثم رأيته لاحقًا في عامي (2000 – 2001)، وهناك الفتاة التي حين رأت البطاقة المعلّقة على صدري وقرأت فيها اسم بلدي إريتريا، وأنا أقف أمام قاعة الصداقة بالخرطوم، همست بدهشة وحب: “أنت تشبهنا؟! اعتقدتك سودانيًا!!”
فقلت لها: نحن نتشابه يا صبية، بل نحن نسيج متصل.
وعودًا إلى أروقة الجامعة، حيث قراءاتي لمختارات علي المك من الشعر والسرد السوداني الرفيع من مكتبة الجامعة، وروايات الطيب صالح، لأتعرّف لاحقًا على: محمد المكّي إبراهيم، محمد عبد الحي، كجراي، صلاح أحمد إبراهيم، مصطفى سند، و”بحره القديم” و”الكمنجات الضائعة”.. لأتحسّس قافلة الإبداع في ذلك البلد الحبيب.
ومرت سنوات العمر، لألتقي في أسمرا بالعملاق الإريتري السوداني محمد عثمان كجراي، وهو مشرف على ملحق (الآداب والفنون) في صحيفة (إريتريا الحديثة) عقب التحرير عام 1992م، ويجري معي حوارًا كان أول لقاء صحفي يُنشر لي في إريتريا.
وليمتد التشجيع لاحقًا عبر ندوته الأولى في أسمرا عام 1993م بمقر مدرسة الجالية العربية (الأمل النموذجية حاليًا)، حيث تناول تجربتي الشعرية آنذاك، وكان ذلك من أجمل ما يكون من دعمٍ وتقدير.
ومضت الرحلة، لتولد قصيدتي (تفاصيل امرأة قادمة من السودان، إيقاع هادئ للعشق والجنون) عام 1994م، والتي تناقلتها الصحف السودانية آنذاك، لتشكّل تحوّلًا في بنية الكتابة الشعرية الإريترية في تجربتي.
ليصبح السودان هو التقاطع الإبداعي والمعادل الوجداني في رحلتي، ويتوّج هذا التناغم الفنان الكبير محمد وردي حين طلب مني كتابة نص شعري عن إريتريا، فكتبت له (ملامح إريترية):
هناك خلف رابيه
هنا
ملامح لنا
تجاسرت، تناثرت
نضمها فيورق الحمى
وتقطر الدروب من مرارة الأسى
نضالنا
قوافل الدما
يا وطنًا يطل من بيارق النشيد
ومدنًا تهدهد القامات في أحشائها
نحن لها، نحن لها
نوارسًا، مشاعلًا
وراية تخفق في آمالنا
ترتوي من دمنا
ترفّ في أحداقنا
مواسمًا
حلمًا وعيد
هناك خلف تلة
وتومض الحدود
إريتريا السهول والنجود
جبالها لا تغفو على صدر الهوى
ونسمة تتيه في الوريد
أمانة الشهيد..
ويضحك قائلًا: “إنت يا أحمد تشبهنا؟!” فأرد مبتسمًا: “نحن نتشابه يا أستاذ”.
ويؤمّن على ذلك المعنى، لتبدأ رحلة أخرى من التلاقي.
ويمضي المشهد، وتستمر الرحلة بين الشعر والغناء والتفاعل الثقافي، مع لحظات تعاون وذكريات ممتدة مع أسماء ووجوه سودانية وإريترية عديدة، منها: فتحـي الضو، فيصل محمد صالح، مولانا فيصل مسلّم، عادل القصّاص، يحيى فضل الله، إبراهيم عبد القيوم، بازرعة، بكري الأنصاري، د.تيسير محمد أحمد، حسّان علي أحمد، عاطف خيري، محمد عفيفي إسماعيل، منعم رحمة، خطاب حسن أحمد، قاسم أبو زيد، الصادق الرضي، د.تاج الدين نور الدائم، د.خضر الخواض، الفنان الراحل هاشم ميرغني، الفنان محمد ميرغني، وسهاد آدم.. وغيرها من الوجوه التي تمثّل ذلك المشترك الإنساني البهيج.
وتمتد قافلة التآخي، وتظل سيمفونية الوصل مفتوحة على أفقٍ أوسع، حيث يلتقي الإبداع بالذاكرة، والإنسان بالإنسان، في مساحة واحدة من الحب والتقدير للسودان وإريتريا: أرضًا، وإنسانًا، وإبداعًا.

Leave a Reply