الحصانة المبدئية: سرّ بقاء الفكرة البعثية بين عواصف التاريخ وتحولات الواقع

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في زمن تتغير فيه المواقف بحسب المزاج السياسي، وتُعاد صياغة المفاهيم والأفكار بما يتلاءم مع التحالفات العابرة، تبقى بعض الأفكار عصية على العواصف والريح . ليست حصانتها نابعة من عناد أو جمود، بل من قدرتها على النهوض من رماد التجارب، والتجاوز بعد كل انكسار. هذه هي الحصانة المبدئية، في فكر البعث، في أن تبقى المبادئ ثابتة حتى لو تبدلت الظروف، وأن يستمر السؤال عن لماذا، قبل كيف، وعن إلى أين، قبل بأي ثمن. فتصبح المبادئ درعاً للأمة العربية. ما أعنيه بـالحصانة المبدئية هو: قدرة الفكرة على البقاء ثابتة في جوهرها، متجددة في وسائلها، قادرة على تحمل تبعات المواقف الصعبة، غير قابلة للتفريط أو المساومة تحت أي ضغط، مع استعداد دائم لمراجعة الأخطاء وتصحيح المسار. إنها ليست عصمة، بل هي التزام وجودي لا يتراجع.

هذا المقال هو محاولة لاستكشاف جذور هذه الحصانة الفكرية، من خلال العودة إلى أقوال القائد المؤسس ميشيل عفلق، وتجسيدات القائد  الشهيد صدام حسين، وصولاً إلى جوهر الرسالة التي تجعل البعث مختلفاً عن الأحزاب البراغماتية.

أولاً: في تأصيل المبدأ – الأستاذ ميشيل عفلق بين الثبات والتجدد:

1. الفكرة قبل التنظيم: ربما كان أعمق ما في فكر الأستاذ ميشيل عفلق هو إصراره على أن الفكرة تسبق التنظيم، والرسالة تسبق الأداة. فلم يكن الحزب عنده غاية في ذاته، بل وعاءً لحمل فكرة الأمة العربية ونهضتها. في ادبياته التأسيسية، لم يضع الأستاذ عفلق برنامجاً انتخابياً أو خطة حكومية فقط، بل طرح رؤية وجودية للأمة العربية: أمة تحمل رسالة إنسانية، وتمتلك قدرة على الانبعاث بعد كل انكسار. هذا هو المعنى العميق لكلمة (البعث) ذاتها، أي أنها ليست مجرد نهضة عابرة، بل قدرة دائمة على التجدد بعد الموت.

وليس مفهوم الحصانة المبدئية حكراً على حزب أو تجربة بعينها، فقد عرفته معظم الحركات الرسالية الكبرى في التاريخ، من حركات التحرر الوطني إلى الأحزاب العقائدية والثورات المناهضة للاستعمار. غير أن خصوصية التجربة البعثية تكمن في ربطها بين ثبات المبدأ القومي ومرونة الوسيلة السياسية، بحيث تصبح العقيدة إطاراً موجهاً للعمل لا قيداً يعطل الحركة.

بالتالي فإن (قوة الأمة لا تقاس بعدد أفرادها فقط، بل بحيوية الفكرة التي توحدها) هذا المقطع يكشف عن عمق الإيمان بأولوية الفكرة على الكيان المادي. فالحصانة المبدئية تبدأ من هنا، في أن نؤمن بأن وجودنا كأمة مرهون ببقاء فكرتنا حية، وليس بعدد جنودنا أو حجم اقتصادنا فقط.

2. الإيمان والعقيدة: (لا يمكن أن تنتصر أمة بغير عقيدة): في سياق حديثه عن شروط النهضة، يركّز الأستاذ ميشيل عفلق في كتاباته على أن العقيدة القومية شرط أساسي للنهوض والانتصار، هذا التركيز يمثل جوهر الحصانة المبدئية ، في إن الإيمان بالفكرة ليس ترفاً عاطفياً، بل شرط للانتصار. هنا يتجلى الفرق بين الحزب العقائدي، والحزب البراغماتي، وكما يلي :

أ‌. الأول يبدأ من (لماذا)، (ما هو هدفنا النهائي؟)، ويتحرك نحو (كيف).

ب‌. الثاني يبدأ من (كيف)، (كيف نصل إلى السلطة؟ كيف نزيد نفوذنا؟)، ويؤجل (لماذا)، إلى ما لا نهاية.

بالتالي فإن الحصانة المبدئية هي ما يمنع الحزب من التحول إلى آلة بلا روح.

3. البعثي ليس مدرساً للناس، بل شريكاً لهم: وفي حديثه في مدرسة الإعداد الحزبي عام 1975، رسم القائد المؤسس ميشيل عفلق صورة المناضل البعثي الذي يمتلك الحصانة المبدئية، في أنه ذلك  (البعثي الذي  يذهب إلى جموع الجماهير من أبناء شعبنا، لا يذهب إليهم ليعلمهم وإنما ليشاركهم. لا يذهب إليهم ليلقي درساً نظرياً ثم يرجع، وإنما ليقرن الفكر بالعمل وبالممارسة). وأكد على أن المناضل الحقيقي (يضع كل شخصيته، كل حياته في هذا العمل، في هذا النضال)، وأنه (ينفتح كل الانفتاح على جماهير الشعب ليحصل التجاوب العميق). وخلص إلى أن: (البعثي هو الصورة الحية للحزب وللأمة، للماضي والمستقبل، للتراث والأصالة وللتقدم والإبداع الجديد).

4. المواجهة كحالة وجودية: (التحدي يمنح العقيدة حيويتها): في واحدة من أكثر مقولاته عمقاً، يرى الأستاذ ميشيل عفلق أن التحديات الكبرى والصراعات التاريخية تسهم في اختبار العقيدة وإبقاء الفكرة حية. هذه المقولة، التي قد تُفهم خطأً على أنها دعوة إلى الصراع الدائم، تحمل في جوهرها فكرة أعمق، تتمثل في أن الفكرة لا تعيش في الفراغ، وأن اختبارها الحقيقي يكون في مواجهة التحديات. فالحصانة لا تُبنى في المختبرات، بل تُصقل في المعارك. ولعل هذا احد أسباب استمرار الفكرة رغم الصعوبات، لأنها لا ترى في الانكسار نهاية، بل محطة اختبار.

ثانياً: في تجسيد المبدأ – الشهيد القائد صدام حسين والموقف الذي لا يموت:

1. عاش العراق، عاشت فلسطين حرة عربية: ربما كان أبلغ تجسيد للحصانة المبدئية في العصر الحديث هو مشهد الشهيد القائد صدام حسين صبيحة عيد الأضحى، حين واجه المحتلين والعملاء بعزة الموقف، محولاً لحظة الأسر إلى منصة لنضال الأمة. لم يكن يردد شعارات أو يتوسل، بل كان يقول: (عاش العراق، عاشت فلسطين حرة عربية، عاشت الأمة العربية). في تلك اللحظة، لم يكن الشهيد صدام يتحدث عن نفسه أو عن موقعه، بل عن أفعاله ومسيرته. إنه لم يكن يحتاج إلى أن يطلب شيئاً، لأنه كان يعرف أن تضحياته ومواقفه هي التي ستتحدث عنه. هذه هي الحصانة المبدئية في أبهى صورها، في أن تكون الفكرة أقوى من السقوط، وأن يتحول القائد إلى رمز بعد أن يكون قدوة في الحياة.

2. الحصانة في مواجهة الإمبراطورية: (حين يصبح الثبات انتصاراً): ومن أبلغ تجليات الحصانة المبدئية، موقف القيادة العراقية  في ظل الحكم الوطني عند تأميم النفط عام 1972. ففي لحظة كان العالم كله يترقب، وقبل أن ينجح التأميم، زار أحد أعضاء القيادة العراقية الاتحاد السوفييتي. قال له الرئيس السوفييتي حينها: (لقد تعرضتم لمصالح الدول الكبرى). فكان رد عضو القيادة هادئاً وثابتاً: (ما فعلناه لن نتراجع عنه). لم يكن هذا الثبات ناتجاً عن تحدٍ أحمق، بل عن إيمان راسخ بصحة القرار، ووعي بحجم التضحيات المطلوبة. وقد لخص الشهيد صدام حسين هذا الموقف لاحقاً قائلاً: (أي انتصار يتحقق في إطار قطر ما يبقى خطوة على طريق الأهداف المركزية للثورة العربية). هذا هو جوهر الحصانة: الثبات على المبدأ حتى لو بدا العالم كله ضدك.

3. لا تحاربوا من أجل مواقعكم، بل من أجل عقيدتكم: في العديد من خطاباته، أكد الشهيد صدام على أن القائد الحقيقي ليس من يحصن نفسه في القصور، بل من يكون في خندق المواجهة. وقد تجسد ذلك في سيرته الذاتية: عندما اندلعت القادسية الثانية، كان في الجبهات، عندما حوصر العراق، كان في خندق الصمود؛ عندما واجه الاحتلال، كان مقاوماً ومخططاً. لم يكن هذا تباهياً، أو بطولة مصطنعة، بل كان انعكاساً لإيمان عميق بأن القيادة ليست موقعاً، بل مسؤولية. وأن الحصانة المبدئية لا تُعلن، بل تُمارس.

ثالثاً: الحصانة في العمل التنظيمي والجهوي:

تتعدد صور الحصانة المبدئية في العمل البعثي، ويمكن تلمسها على ثلاثة مستويات متكاملة: المستوى الفردي (المناضل الذي يتحلى بالنفس الطويل)، والمستوى التنظيمي (العلاقة بين التكتيك والاستراتيجية)، والمستوى الجبهوي (العمل مع القوى الأخرى دون ذوبان). وهذه المستويات الثلاثة تشكل معاً منظومة متكاملة للحصانة، تغطي الفرد والتنظيم والتحالفات.

1. (النفس الطويل): (الامتحان الممتد للحصانة): يضيف الشهيد القائد صدام حسين بعداً آخر للحصانة المبدئية، حين يؤكد على ضرورة أن يتحلى الرفاق بـ النفس الطويل. فالحصانة ليست فقط في لحظة الاندفاع أو التضحية اللحظية، بل في القدرة على المثابرة والصبر، والاستمرار في النضال رغم بطء النتائج أو تعقيد الظروف. فالأهداف الاستراتيجية للأمة، كما قال: (ليست أهدافاً آنية بل أهداف استراتيجية تتطلب منكم المسلك الشاق والطويل حتى تحققوها). وهذا هو جوهر الحصانة المبدئية، في أن نعرف أن الطريق طويل، وأننا لن نرى ثمار نضالنا بالضرورة، لكننا نستمر لأننا نؤمن بأن ما نبنيه اليوم سيحمله من بعدنا. فالحصانة ليست غضباً عابراً، بل قراراً وجودياً بالاستمرار مهما طال الزمن.

2. التكتيك في خدمة الاستراتيجية: (حين تكون الحصانة مقياساً للدقة): ويتعمق مفهوم الحصانة المبدئية في فكر الشهيد القائد صدام حسين، حيث يربطها مباشرة بالعلاقة بين التكتيك والاستراتيجية. ففي حديثه في مدرسة الإعداد الحزبي عام 1976، أكد على أن: (مسألة التكتيك والاستراتيجية من أهم وأخطر المسائل في الفكر الثوري، وتتطلب بالدرجة الأولى حصانة مبدئية عالية، كيما تكون المقاسات دقيقة، وكيما تكون الموازنة دقيقة بين صيغ التكتيك وبين الاستراتيجية). وحذّر من خطر أن (تستهوي المناضل النتائج المباشرة والسريعة التي تحققها صيغ العمل التكتيكي، فتبعده عن الخط الاستراتيجي المبدئي). واصفاً التعارض بين التكتيك والاستراتيجية بأنه: (من الأمراض والأخطاء المعروفة التي تصاب بها الحركات الثورية).

3. الحصانة الجبهوية: (عندما تتحد القوى المختلفة حول مبادئ مشتركة): غير أن الحصانة المبدئية لا تقتصر على الفرد والتنظيم فقط، بل تمتد إلى العمل المشترك مع قوى أخرى ضمن جبهات وطنية وقومية وعالمية. ففي تجارب التحرر العربية، كان حزب البعث شريكاً في جبهات مع قوى ذات مرجعيات فكرية مختلفة. وهنا تبرز أهمية (الحصانة الجبهوية)، وهي القدرة على العمل مع الآخرين دون ذوبان، والوحدة من أجل أهداف استراتيجية دون تفريط في الثوابت. هذا ما أكده الشهيد القائد صدام حسين في حديثه عن العمل الجبهوي، محذراً من (الاتساعات التي تنطلق بعد الانتصارات)، والتي قد تحوّل الشركاء إلى أطراف متقابلة بدلاً من أن يبقوا في خندق واحد. واصفاً الانشغال بالخلافات الثانوية بأنه (لعب بالنار). فالحصانة المبدئية، إذن، تعني أيضاً أن نعرف متى نتحد، ومتى نختلف، وكيف نحافظ على الوحدة الاستراتيجية دون المساس بالجوهر.

وهنا تتجلى الحصانة المبدئية في أسمى صورها، في القدرة على تجاوز الأنانية والغرور بعد النصر، والبقاء متماسكين لاستكمال المسير. فالحصانة ليست فقط عند الشدائد، بل عند الفرص أيضاً.

4. الحصانة والمسؤولية الجماعية: (ليس أحد بمنأى عن الخطأ): ومن مظاهر الحصانة المبدئية النضج في التعامل مع الأخطاء والمسؤولية. ففي حديثه عام 1976، قال الشهيد صدام حسين: (كل خطأ يحصل تكون القيادة مسؤولة عنه مسؤولية تضامنية، وأنا أيضاً أتحمل مسؤوليتي عن أي خطأ من هذا القبيل، بصيغ متوازنة مع موقعي الحزبي، في إطار المسؤولية المشتركة لمبدأ القيادة الجماعية، والمطلوب هو الكلام الصريح وليس التبرير). هذا الموقف يعكس حصانة أخلاقية عالية، تتمثل في  القدرة على الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، ورفض ثقافة التبرير التي تُضعف التنظيمات وتُبعدها عن الجماهير.

رابعاً: جوهر الحصانة – الفكرة قبل المصالح:

وإذا كان القرن العشرون قد اختبر الحصانة المبدئية في ميادين الاستعمار والحروب والانقلابات، فإن القرن الحادي والعشرين يختبرها في ساحات مختلفة، كالإعلام الرقمي، والعولمة الثقافية، وحروب الوعي، وإعادة تشكيل الهوية. فالتحدي لم يعد فقط الحفاظ على الأرض، بل الحفاظ على المعنى. ولهذا تصبح الحصانة المبدئية اليوم قدرة على الثبات أمام محاولات التذويب الثقافي كما كانت بالأمس قدرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والعسكرية.

1. الحصانة المبدئية لا تعني الجمود الفكري: من المهم التأكيد على أن الثبات على المبادئ لا يعني تجميد الفكر أو رفض التطوير. فالحصانة المبدئية الحقيقية هي التي تسمح للمبادئ بأن تظل ثابتة مع تغير الوسائل، وأن تبقى البوصلة متجهة إلى الهدف نفسه مهما اختلفت الطرق. غير أن أخطر ما قد يواجه أي حركة عقائدية هو تحول الحصانة المبدئية إلى حالة انغلاق فكري ترفض النقد والمراجعة. فالفكرة الحية لا تُقاس فقط بقدرتها على الثبات، بل أيضًا بقدرتها على تصحيح أخطائها وإعادة قراءة الواقع. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الحركات الرسالية ليس الحفاظ على العقيدة فقط، بل الحفاظ على حيويتها النقدية، بحيث تبقى المبادئ ثابتة دون أن تتحول الوسائل إلى مقدسات جامدة. يقول الأستاذ ميشيل عفلق في أحد نصوصه: (البعث ليس نظرية تشرح الواقع، بل هو إرادة تغيره).  فالفكرة التي تكتفي بشرح الواقع دون القدرة على تجاوزه، ليست فكرة حية. الحصانة المبدئية هي ما يمنح الفكرة القدرة على تغيير الواقع، لا مجرد التكيف معه.

2. الموقع ليس امتيازاً، بل عبء: من أعمق تجليات الحصانة المبدئية في الثقافة البعثية، النظرة إلى الموقع التنظيمي، ليس كامتياز أو وسيلة صعود اجتماعي، بل كعبء أخلاقي ومسؤولية متزايدة. البعثي الحقيقي لا يُقاس بما يملكه، بل بما يستعد أن يخسره. وهكذا، يظل الفرق جوهرياً بين:

أ‌. حزب يرى الجماهير غايته ووسيلته (قد يخطئ أو يضعف، لكنه يظل مشدوداً إلى فكرة تتجاوز أفراده).

ب‌. قوى ترى الدولة مجرد غنيمة أو سوقاً للمصالح (لا ترى في الوطن إلا مساحة نفوذ مؤقتة).

3. لا تُقاس التجارب النضالية بمنطق (الربح والخسارة): أحد أهم مظاهر الحصانة المبدئية في فكر البعث هو رفض اختزال التجارب النضالية في حسابات ربحية ضيقة. فالبعث، في جوهره، لم يُبنَ كمشروع للثروة أو النفوذ، بل كمشروع للتضحية. الفكرة التي دفعت آلاف المناضلين إلى السجون والمنافي والمشانق لا يمكن اختزالها في سرديات مالية أو روايات إمبراطوريات اقتصادية. هنا يتجلى السؤال الحقيقي: ليس ماذا امتلكنا؟، بل ماذا قدمنا؟ وما الذي خسرناه في سبيل فكرتنا؟.

غير أن الحصانة المبدئية لا تعني عصمة التجربة السياسية من الخطأ. فالتاريخ يبين أن الحركات العقائدية قد تمتلك صلابة فكرية عالية، لكنها قد تواجه أزمات في إدارة السلطة أو في التوفيق بين المثال والواقع. ولهذا فإن قوة الفكرة لا تُقاس بغياب الأخطاء، بل بقدرتها على مراجعة ذاتها، وتصحيح مسارها، والحفاظ على جوهرها رغم التحولات. فالحركات التي تفقد قدرتها على النقد الذاتي تتحول تدريجياً من مشاريع نهضة إلى هياكل تدافع عن بقائها أكثر مما تدافع عن رسالتها.

لكن المعيار الحقيقي للحصانة المبدئية لا يظهر فقط في لحظات النضال، بل في لحظات السلطة أيضاً. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحركات استطاعت الحفاظ على مبادئها وهي خارج السلطة، لكنها واجهت تحديات أعقد عندما أصبحت مسؤولة عن إدارة الدولة. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: كيف تحافظ الحركة العقائدية على رسالتها وهي تمارس الحكم؟ وكيف تمنع ضرورات الدولة من ابتلاع أهدافها الكبرى؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل أحد أهم الاختبارات التاريخية لأي مشروع نهضوي.

في النهاية، تظل الحصانة المبدئية هي ما يميز الحزب الرسالي عن الحزب البراغماتي، والفكرة الحية عن الشعار الجامد. إنها الدرع الذي يحمي الفكرة من الذوبان في المصالح اليومية، والبوصلة التي توجه العمل نحو الهدف البعيد رغم كل العواصف. فالبعثي الحقيقي لا تُقاس قيمته بما أخذ من الفكرة، بل بما قدم لها، ولا بما جمع لنفسه، بل بما بذل في سبيل أمته. الفكرة القوية لا تنهار بمواجهة الأخطاء، بل تزدهر بتصحيحها. والتنظيم الذي لا يمتلك آليات نقد ذاتي، يتحول تدريجياً إلى جسد بلا روح.

هكذا تعلمنا من الأستاذ ميشيل عفلق: أن الفكرة تسبق التنظيم، وأن العقيدة شرط النصر، وأن وجود عدو حقيقي يختبر صدق الموقف لا يوهن الفكرة، بل يمنحها حيويتها.

وهكذا تعلمنا من الشهيد صدام: أن القائد الحقيقي ليس من يحصن نفسه، بل من يحصن فكرته، وأن الموقع ليس امتيازاً، بل مسؤولية، وأن التضحية ليست لحظة استثنائية، بل أسلوب حياة. وأن الحصانة المبدئية ليست مجرد شعارات تُرفع، بل أفعال تُبذل، ودماء تُروى، وأرواح تُفدى، وأجيال تتعاقب على حمل الراية دون أن تمل أو تستكين. فهل نكون عند مستوى هذه الرسالة؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.