زاوية نظر: من داخل البيوت .. حين يصبح الهاتف فردًا من العائلة

صحيفة الهدف

سلمى نايل

مقدمة: من داخل البيوت..
هناك حكايات لا تُقال بصوت عالٍ، ومشكلات تبدأ صغيرة ثم تكبر بصمت حتى تُغيّر ملامح الأسرة كلها. في هذا المقال نقترب من تفاصيل البيوت بحب ووعي، نناقش قضايا تمس الأطفال والشباب والأمهات والآباء، ونحاول أن نفتش معًا عن حلول بسيطة تعيد الدفء والطمأنينة للعلاقات.
حين يصبح الهاتف فردًا من العائلة

لم يعد الهاتف مجرد جهاز نحمله في أيدينا.. بل أصبح، بهدوءٍ مخيف، فردًا صامتًا يسكن بيننا. يجلس معنا على مائدة الطعام، يرافقنا إلى غرف النوم، ويتسلل إلى لحظاتنا التي كان يُفترض أن تكون إنسانية خالصة. في كثير من البيوت، لم يعد الحوار هو سيد الجلسة، بل الشاشة. الأب منشغل بأخبار لا تنتهي، والأم تتابع ما لا يخصها، والابن غارق في عالم افتراضي لا يسمع فيه سوى صدى نفسه. يجتمعون في مكان واحد.. لكنهم متباعدون كأن بينهم مسافات.
الأخطر من ذلك أن هذا الصمت لا يُشعِرنا بالخطر فورًا. يمر الوقت، وتضعف الألفة، وتبهت التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع الدفء:
نظرة، ضحكة، سؤال عابر، حكاية قبل النوم..
الهاتف لا يسرق الوقت فقط.. بل يسرق الإحساس بالآخر. كم من زوجين يعيشان تحت سقف واحد، لكن كلٌّ منهما في عالمه؟
وكم من طفل يحاول أن يتحدث، فيُقابل بجملة سريعة: “دقيقة” لكنها تمتد إلى ساعات؟
المشكلة ليست في الهاتف ذاته، بل في المساحة التي احتلها دون أن نشعر.. حتى أصبح أهم من لحظات كان يجب أن تُعاش بقلوبنا، لا بأصابعنا.
الحل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج قرارًا: أن نعيد ترتيب الأولويات، ونسترد بيوتنا من هذا الضيف الثقيل.
ابدأوا بشيء بسيط: اجعلوا هناك وقتًا يوميًا، ولو قصيرًا، بلا هواتف. جلسة شاي، حديث عابر، ضحكة جماعية.. أي شيء يعيد الصوت إلى البيت. ضعوا الهواتف جانبًا، وانظروا في وجوه بعضكم. استمعوا.. لا لتردوا، بل لتفهموا. فالبيوت لا تُبنى بالجدران، بل بالكلمات التي تُقال، والمشاعر التي تُرى.
وفي النهاية.. لن يتذكّر الأبناء عدد الساعات التي قضيناها على هواتفنا، لكنهم سيتذكرون جيدًا.. كم مرة كنا “حاضرين” معهم حقًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.