زكريا نمر
في تقديري، من أكبر الأخطاء التي يقع فيها كثير من المحلّلين عند الحديث عن إفريقيا أنهم يتعاملون مع الدين باعتباره مجرد مسألة روحية أو طقس اجتماعي معزول عن السياسة والاقتصاد والتاريخ. بينما الواقع يقول إن الدين في إفريقيا لم يعد مجرد علاقة فردية بين الإنسان وربه، بل تحول في كثير من الأحيان إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل المجتمع نفسه.
عندما أنظر إلى المشهد الإفريقي اليوم، لا أرى فقط صراعات على السلطة أو الثروة أو النفوذ، بل أرى أيضًا صراعًا خفيًا حول من يملك حق تشكيل وعي الناس. وتحديدًا، تدخل الصوفية والإسلام السياسي والمسيحية الإنجيلية ليس بوصفها تيارات دينية فقط، بل بوصفها مشاريع مختلفة لفهم الإنسان والمجتمع والسلطة.
المشكلة أن إفريقيا تعيش منذ عقود حالة فراغ عميق. الدولة الوطنية التي وُلدت بعد الاستقلال لم تستطع في كثير من الحالات أن تبني هوية جامعة، ولا أن تنتج عدالة مستقرة، ولا حتى أن توفر الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والمؤسسات. وحين تضعف الدولة، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه قوى أخرى: القبيلة، والسلاح، والدين.
لهذا أرى أن صعود الخطابات الدينية في إفريقيا ليس ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي واجتماعي طويل. الإنسان حين يفقد ثقته في الدولة يبدأ بالبحث عن معنى آخر للحماية والانتماء، ويصبح الدين أكثر من إيمان؛ بل يتحول إلى ملجأ نفسي واجتماعي وسياسي أيضًا.
الصوفية، مثلًا، كانت لفترة طويلة تمثل شكلًا مختلفًا من التدين داخل إفريقيا، خصوصًا في مناطق واسعة من غرب القارة وشرقها. لم تكن مجرد طرق روحية معزولة عن الناس، بل كانت جزءًا من البنية الاجتماعية نفسها. الشيخ الصوفي لم يكن فقط مرشدًا دينيًا، بل كان أحيانًا وسيطًا اجتماعيًا، ومصلحًا، وصاحب مكانة رمزية داخل المجتمع.
ولهذا استطاعت الطرق الصوفية أن تبني حضورًا عميقًا دون الحاجة إلى خطاب صدامي أو عنيف. كانت أقرب إلى التديّن الشعبي المتسامح القادر على التعايش مع العادات المحلية والثقافات المختلفة. وربما لهذا السبب بقيت الصوفية أكثر قربًا من المجتمع مقارنة بكثير من الحركات الأيديولوجية الحديثة.
لكن حتى الصوفية لم تبق خارج الصراع. مع صعود التيارات السلفية والحركات الإسلامية الأكثر تشددًا، بدأت تُتهم بأنها تمثل إسلامًا منحرفًا أو متساهلًا أكثر من اللازم. وفي المقابل، بدأت بعض الأنظمة السياسية تنظر إلى الصوفية باعتبارها النموذج الديني الآمن الذي يمكن استخدامه لمواجهة التطرف.
وبدأت المشكلة الحقيقية عندما تتحول الصوفية من تجربة روحية إلى أداة توازن سياسي. لأن أي تيار ديني حين يدخل في لعبة السلطة يفقد تدريجيًا جزءًا من استقلاله الرمزي، حتى لو لم يشعر بذلك مباشرة.
أما الإسلام السياسي، فهو في رأيي أحد أكثر الظواهر تعقيدًا في إفريقيا الحديثة. لأن ظهوره لم يكن فقط نتيجة تدين الناس، بل نتيجة انهيار الثقة في الدولة والنخب الحاكمة. في كثير من البلدان، لم يقترب الناس من الحركات الإسلامية لأنهم يبحثون عن الخلافة بالضرورة، بل لأنهم فقدوا الإيمان بمؤسسات الدولة نفسها.
عندما تصبح الدولة مرتبطة في وعي الناس بالفساد والفقر والقمع وانعدام العدالة، يظهر الخطاب الديني باعتباره بديلًا أخلاقيًا قبل أن يكون بديلًا سياسيًا. وتكمن قوة الإسلام السياسي ليس في الدين فقط، بل في قدرته على استغلال الفراغ الأخلاقي الذي تتركه السلطة.
لكن مع مرور الوقت ظهرت تناقضات هذا المشروع أيضًا. بعض الحركات الإسلامية دخلت في مواجهة مباشرة مع الدولة وتحولت إلى جماعات عنيفة، بينما دخلت حركات أخرى إلى السلطة واكتشفت أن الشعارات شيء وإدارة الدولة شيء آخر تمامًا.
في حالات كثيرة، تحولت الحركات التي رفعت شعار الإصلاح إلى جزء من البنية نفسها التي كانت تنتقدها. وظهرت مفارقة قاسية: كيف يمكن لحركة قامت ضد الفساد والاستبداد أن تعيد إنتاجهما بعد وصولها إلى السلطة؟
وفي دول مثل السودان أو الصومال، لا يمكن فهم المشهد السياسي دون فهم هذا التداخل المعقد بين الدين والعنف والدولة، لأن الدين لم يعد مجرد عقيدة، بل أصبح جزءًا من معركة السيطرة على المجتمع نفسه.
وتشهد المسيحية الإنجيلية توسعًا متسارعًا داخل أجزاء واسعة من إفريقيا، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق الفقيرة أو الخارجة من الحروب. وهذا الصعود لا يمكن فهمه فقط باعتباره انتشارًا دينيًا، بل يجب فهمه كاستجابة لحاجة اجتماعية ونفسية عميقة.
الكنائس الإنجيلية تقدم للناس ما تعجز الدولة عن تقديمه: شعورًا بالأمل، وشبكات دعم، وإحساسًا بالانتماء، وأحيانًا حتى مساعدات اقتصادية مباشرة. في بيئات يسودها الفقر والبطالة والانهيار الاجتماعي، يصبح الخطاب الذي يعد بالخلاص الفردي والنجاح والحياة الأفضل شديد الجاذبية.
لكن هذه الظاهرة تحمل تناقضاتها أيضًا. بعض الكنائس الإنجيلية تحولت إلى مؤسسات مالية وإعلامية ضخمة تمتلك نفوذًا يتجاوز المجال الديني نفسه. وفي بعض الأحيان أصبح القس أقرب إلى رجل أعمال أو زعيم جماهيري منه إلى مرشد روحي.
وتظهر إشكالية أخرى حين يتحول الدين إلى سوق، والإيمان إلى منتج، والخلاص إلى خطاب استهلاكي. لأن جزءًا من الخطاب الإنجيلي الحديث لم يعد يتحدث فقط عن الروح، بل عن النجاح الفردي والثروة وتحقيق الذات، وكأن الفقر نفسه أصبح علامة على ضعف الإيمان.
ما يثير انتباهي أن هذه التيارات الثلاثة، رغم اختلافاتها العميقة، تتحرك كلها داخل الأزمة نفسها: أزمة الدولة الإفريقية الحديثة. فحين تفشل الدولة في خلق معنى جامع للمجتمع، تظهر قوى أخرى تحاول ملء هذا الفراغ، والدين يكون دائمًا من أقوى هذه القوى لأنه يخاطب الإنسان من الداخل لا من الخارج فقط.
لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الدين من قوة أخلاقية إلى مشروع هيمنة. هنا يصبح السؤال الديني مجرد غطاء لصراع أوسع حول النفوذ والسلطة والسيطرة على المجال العام.
وفي رأيي، المشكلة ليست في التدين نفسه، بل في تسييسه. لأن الدين حين يدخل لعبة السلطة يفقد شيئًا من صفائه، ويتحول تدريجيًا إلى أداة استقطاب وانقسام. وحين يحدث ذلك، لا يعود الصراع بين الخير والشر كما يتخيله البعض، بل بين مشاريع مختلفة تريد السيطرة على وعي المجتمع.
بعض النخب السياسية في إفريقيا تعلمت كيف تستخدم الدين بذكاء. فهي لا تحاربه دائمًا، بل توظفه: تدعم هذا التيار ضد ذاك، وتستخدم الخطاب الديني لإعادة إنتاج شرعيتها، أو لتخفيف غضب الشارع، أو حتى لتبرير العنف أحيانًا. وهكذا يصبح الدين جزءًا من لعبة أكبر منه، بينما يظن الناس أنهم يدافعون عن العقيدة، في حين أنهم غالبًا يدخلون في صراعات سلطة مغلفة بلغة مقدسة.
أعتقد أن إفريقيا لا تعيش فقط أزمة سياسية أو اقتصادية، بل تعيش أزمة معنى أيضًا. ولهذا يصبح الدين ساحة مركزية للصراع، لأنه يتعلق بالسؤال الأعمق: كيف يفهم الإنسان نفسه داخل عالم مضطرب؟ لكن إذا لم يتم الفصل بين الإيمان كقيمة روحية وبين الدين كمشروع سلطة، فإن القارة ستظل تدور داخل حلقة طويلة من الاستقطاب، حيث يتحول المقدس نفسه إلى جزء من الصراع اليومي على النفوذ. وربما هذه هي المأساة الحقيقية: أن الروح، التي كان يفترض أن تكون مساحة للسلام، أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من معركة لا تنتهي حول من يملك حق قيادة المجتمع ومن يملك حق تفسير الحقيقة نفسها.
* كاتب من جنوب السودان

Leave a Reply