د.نعيمة عبد الجواد
بمجرد ذكر مصطلح “الحرب” تقفز إلى الذهن صور المعارك والدمار وإطلاق الرصاص وقتل الأبرياء، وكل المشاهد المحزنة التي يتحول فيها الجميل إلى بشع. وفي خضم تلك المآسي، يطلّ القدر على البشرية بوجه ضاحك، وكأنه يسخر ممن يؤكدون أن الحرب لا يمكن أن تنطوي على فكاهة؛ فالحرب والفكاهة، في الظاهر، لا يمتزجان كالماء والزيت. غير أن القدر اللعوب، الذي يبهرنا بمفاجآته، يؤكد أن الفكاهة تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا حتى في أحلك لحظات الحرب، لتبرهن أن المزج بين الحرب والفكاهة ممكن بالفعل.
قدّمت الحربان العالميتان الأولى والثانية مثالًا صارخًا لهذا التناقض؛ فهما أشبه بمسرحية من فصلين تتخلّلهما مشاهد هزلية سوداء. وعند التمعّن في الحرب العالمية الأولى نجد أنها وحّدت شعوب الأرض على هدف واحد: إشعال صراع مهلك بسبب التنافس على المستعمرات وخيراتها. والمفارقة أن القوى ذاتها التي اتفقت على فكرة الاستعمار، تحوّلت إلى خصوم يتنازعون الغنائم كالأطفال، فكان ذلك سببًا في اندلاع حرب استمرت أكثر من أربع سنوات (يوليو 1914 – نوفمبر 1918)، وخلّفت ملايين الضحايا بين قتيل وجريح ومفقود.
ومن غرائب تلك الحرب أن شرارتها انطلقت من موقف يكاد يبدو هزليًا لولا نتائجه الكارثية. فقد كان الشاب البوسني ذو الأصول الصربية، غافريلو برينسيب، مؤمنًا بفكرة توحيد الشعوب السلافية تحت كيان واحد، ومعارضًا للهيمنة النمساوية على البوسنة. ولهذا انضم إلى تنظيم (اليد السوداء)، الذي تبنى الاغتيالات السياسية وسيلة لإثارة الفوضى داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية.
وكان الهدف هو الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند، ولي عهد الإمبراطورية. والمفارقة أن فرديناند نفسه لم يكن عدوًا متعصبًا للسلافيين، بل كان ميالًا للإصلاح، ومؤمنًا بضرورة تحسين أوضاعهم. لكنه، رغم ذلك، أصبح هدفًا للاغتيال.
في 28 يونيو 1914، وأثناء زيارة رسمية للبوسنة، اصطف أفراد (اليد السوداء) على طول خط سير موكب الأرشيدوق. ولعبت الصدفة دورها حين قرر فرديناند أن تكون سيارته مكشوفة لإظهار الود للشعب. وألقى أحد المتآمرين قنبلة على السيارة، لكنها ارتدت وانفجرت بعيدًا عنها، في مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء، فأصابت بعض الحراس دون أن تمس الأرشيدوق.
وبعد نجاته، توجه فرديناند إلى دار البلدية، ثم قرر زيارة المصابين في المستشفى. وهنا وقعت المفارقة الأعجب؛ إذ صادف أن كان غافريلو برينسيب يجلس قرب أحد المطاعم، محبطًا من فشل المحاولة الأولى. وبمحض المصادفة توقفت سيارة الأرشيدوق أمامه مباشرة، فنهض وأطلق النار على فرديناند وزوجته، ليفجّر بذلك الحرب العالمية الأولى.
واعتبرت النمسا الحادث ذريعة لإعلان الحرب على صربيا، مدعومة من ألمانيا فيما عُرف تاريخيًا بـ”الشيك على بياض”. وسرعان ما تحوّلت الأزمة إلى حرب عالمية بسبب التحالفات والشكوك وسوء التقدير السياسي.
ومع امتداد الحرب، ازداد حضور الكوميديا السوداء في تفاصيلها؛ فظهرت قصص عن خونة وجنود من معسكرات متحاربة تجمعهم علاقات إنسانية، ومواقف عبثية لا تقل غرابة عن أسباب الحرب نفسها.
إن كوميديا الحرب تظل من أكثر أشكال الكوميديا قسوة؛ فهي ضحك ممزوج بالألم، وسخرية سوداء من عجز الإنسان عن إدراك عواقب أنانيته، تلك الأنانية التي قادت العالم إلى دمار شامل.
* أكاديمية وكاتبة من مصر

Leave a Reply