بين السطور: نحنُ الشعبُ من أطلقَ الرصاصةَ الأولى!

صحيفة الهدف

خضر حسين
منذ ١٥ فبراير قدمت وأسرتي للخرطوم العزيمة يتقدمنا حرصنا على الذكريات، كان يومًا عصيبًا ونحن كأسرة محشورين داخل حافلة 28 راكبًا. نهضنا كآلاف الناس ولمينا شوية هدوم تقضي الواحد مشوار أسبوع وذهبنا لا نلوي على شيء.
مررنا بإرتكازات الجنجويد، كان خطابهم يومها لذيذًا، والجنجويدي منهم يحلف بأعظم الحلايف إنهم جند أرسلهم الله عشان شعبنا دة يذوق العافية “والديمقراطية” وكده..
عشرات الارتكازات التي عبرناها وصولًا لكبري الحلفايا من الضفة الغربية حيث الكاكي الأخضر، تجولنا حتى الرابعة صباحًا في قندهار موقف الولاية الشمالية، صحيح أن أصحاب البصات ساومونا بشكل مقزّز ، لكن لم يكن هناك من مفر، فخلفك الجنجويد بسلاحهم وأمامك عمرك الذي يساوم أمام ناظريك في مكاتب البصات والكومسنجية وسماسرة الحروب.
تبيع كل شيء في قندهار التي تحوّلت لسوق كبير لنقل المواطنين من ضفة الموت إلى حيث يُحشرون فرادى وجماعات.
الحروب أظنها سوق كبير يعتاش من خلاله الكثيرون من الناس والجماعات، هناك وأنت في زحمة الفوضى تكتشف أن أسواقًا جديدة تنهض..
ما يحزّ في النفس إن الحرب التي تخوضها نيابة عن طرفيها عبثية بمعنى الكلمة، “فالتجارة شغالة على سنجة عشرة، وظهر شعبنا يقص على كيف كيفك”. تكسّرت أحلام ناجين كثر هربوا من جحيم الحرب، انتهت مغامرتهم بفعل “حق التذكرة”، أطفال تشرّدوا، أسر تفرّقت بهم السبل. المساومات التي كان يجريها السماسرة والكومسنجية كانت معركة أخرى راح ضحيتها أسر وعوائل.
نهضت عوالم وتلاشت أخرى، كانت ليلة عصيبة بكل ما تحمل الكلمة من جراح، غضب يعتريك، تتوكأ وحيدًا على جمر الصبر من المشهد الذي لو بإمكانك أن تستفرغه كله دفعة واحدة لاستفرغته، لكنها الحرب.
تفرّق السودانيون دونما وداع، مشى كل بإتجاه قاصدًا النجاة، فالروح عزيزة، ثم بالله عليك ما معنى أن تُهدر هكذا مرّة وللأبد؟
ثم ما إن طرقنا باب أسفلت الشريان نمنا كما الأطفال، بعد ليالٍ طوال من السهر والمسغبة والجنجويد الذين انتشروا كما الجراد.
بدت الصورة لي يومها ككوميديا سوداء لا ينقصها سوى (فضيل)، ماسخة وشائهة لا لون لها ولا رائحة.
رحلة غريبة فرضتها تصاريف البلاد، تعاين في كل الذي خلّفته خلفك ثم تدعو ربك العجب في الذي صنعه الصانعون بحياتك.
تكتشف لوهلة حكمة العدد في الليمون، تتيقن بينك وبين نفسك أنك مجرد (ليمونة) في حديقة عشب أخضر، لبلاب، ضريسة، دمسيس وشوك، نموت ساكت كده، براكم دونما إذن، فيأتيك الحجّاج الثقفي، تردد في سرك والجنود يعبثون بماهيتك مقولته: حان وقت قطافهم.. تتلو الآيات ثم تختم: حان وقت قطافنا.
لقد فرهد شعبنا أكتر مما تحتمله الدروب وحان وقت قطافه.>
ها أنت ذا على الطريق تمضي هربًا من رصاص ادخرت ثمنه ليحميك، تمضي بكبرياء مهزوم، تاركًا البلاد بقضّها وقضيضها، تلوك ما أنت فيه بصبر، تعاين في بلادك التي فرتقها الرصاص الذي لطالما دفعت ثمنه من عرق أيامك.
المنفذ ليس بعيدًا لكن الطرق إليه أضحت معجزة، فأي طريق تسلك يصادفك جنجويدي كامل الدسم، يبشر بالديمقراطية “والله صحي”، ثم ينهب ما تبقى في جيبك “الديمقراطي” كحالة اشتراكية قطعوها من راسهم للتو.
وهكذا قطفونا، ثم ما إن تسمع حكاية الذي اقتفى أثر المخارجة بعدك حتى تدعو ربك العجب في الديمقراطية، وكيف أكلها الجنود في ظرف أيام!.
حقيقة الأمر أن شعبنا قدر ما أسهم مثقفيه في الوعي كانت عجلات الجهل تدور رحاها بشكل أسرع وأكبر، ولم يستفد شعبنا من أية تجربة من تجارب الشعوب.
نهضت العنصرية بخطابها البائس، ونهضت الانتهازية بكسلها المعلوم، فلا ميدان أوسع من أن يطلق إثنينيهم “كرعينهم” أكتر من هذا الملعب.
ثلاث سنوات من الدم والصهابيل والهلع والترويع والنزوح والتشريد، حتى إذا ما عاين المجتمع الدولي لكارثتنا تساءل وبراءة الدنيا في عينيه: من أطلق الرصاصة الأولى؟
الرصاصة الأولى أطلقها شعب السودان أيها الناس.. أطلقها علي فضل وهو يكتب رسالته الأخيرة: أنا الطبيب علي فضل إنني أوشك على الموت، تلك الرسالة التي وصلت لرفاقه بعد استشهاده.
أطلقها كشّة وود عكر وست النفور ومجدي وجرجس.
أطلقها وردي وهو يغني:
للصمود العزم في كرري
وللموت الفدائي العظيم
أطلقها محجوب شريف وحمّيد والقدّال، وآلاف من صاغوا وجدان شعبنا بالأناشيد والأمنيات.
نعم أيها العالم، أطلقها شعبنا الذي يقتل ولا يموت.. إن كان للسؤال معنى.
شعبنا ده فتر..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.