طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
4. فلسطين (العصر الحديث): وعد بلفور 1917: في التاريخ الحديث، شكّل وعد بلفور (1917) الخطوة الأولى في منحدر سقوط فلسطين. لم تكن تلك الوثيقة معركة ولا احتلالاً، بل كانت بندقية أُطلِقت منها رصاصة لم يتوقع أحد أن تدوي آثارها لعقود. لم يكن العرب يومها يشعرون بالكارثة وهي تتشكل ببطء؛ واليهود يتدفقون، والأرض تُشترى، والمليشيات تُدرب. ثم تكفلت (عوامل الطبيعة) بالباقي: هجرة منظمة، شراء أراضٍ، إقامة مستوطنات، ثم إعلان الدولة (1948)، ثم تهجير، ثم نكسة (1967)، ثم استيطان متواصل، ثم حصار وتقسيم. لم يكن أي من ذلك قدراً محتوماً، لكن (الخطوة الأولى) كانت كافية لبدء مسار لم ينتهِ بعد.
5. العراق (العصر الحديث): من قيادة الأمة إلى دروس النهوض: في العصر الحديث، كان العراق القلعة التي تصدت للمشروع الصهيوني الفارسي، واحتضنت القيادة القومية، وقادت معارك التحرير في القادسية الثانية. وكانت ثورة 17-30 تموز 1968 نقطة تحول، أسست لدولة قوية امتلكت إرادة السيادة وقررت أن تكون في طليعة المدافعين عن الأمة. ثم جاء انتصار القادسية الثانية (1988) ليعزز مكانة العراق كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. لقد واجه العراق بكل ما أوتي من قوة جميع المؤامرات والدسائس التي حيكت ضده وضد أمته؛ واجه الطائفية التي أرادت تمزيقه من الداخل، وواجه اليتم العربي حين تخلى عنه الأشقاء في أحلك اللحظات، وواجه التشظي القومي حين تحولت الأمة إلى جزر منعزلة لا تواجه عدواً واحداً. بل واجه كل هذه التحديات وهو منفرد، يعتمد على قدراته الذاتية فقط، لأنه كان يعلم أنه يناضل نيابة عن الأمة العربية كلها، وليس دفاعاً عن حدوده فقط. لقد حاول العراق، بكل ما لديه، أن يستنهض تاريخ الأمة وحضارتها المجيدة، وأن يكون ذاكرة الأمة حين ضاعت ذاكرتها، وبوصلة الأمة حين تشتتت بوصلتها. لكن التحول بدأ بخطوات: الحرب التي استنزفت ثمانية أعوام من عمر العراق وموارده (1980-1988)، وتركت جروحاً عميقة في بنيته الاقتصادية والاجتماعية، أعقبتها (عوامل طبيعة): حصار جائر دام 13 عاماً، قتل الاقتصاد والأبرياء معاً، وعقوبات قاسية أنهكت جسد الدولة، ثم احتلال (2003) طمس معالم ما تبقى، وتفكيك للدولة الوطنية والمجتمع استمر لعقود، وصولاً إلى انقسامات وصراعات أهلية مزقت النسيج الوطني. لكن في قلب هذا الظلام، تبقى شرارة الأمل حية؛ فالتاريخ لا يتوقف عند لحظة التحول، بل يمتد إلى إمكانية القيام. والعراق الذي قاد الأمة العربية يوماً، لا يزال يختزن في أعماقه طاقات هائلة: إيمانه بأمته ورسالتها الخالدة، وشبابه المتعلم، وموارده الطبيعية، وتاريخه المجيد، وذاكرة أبنائه التي لم تُمحَ. لقد أثبتت تجارب الأمم أن النهوض بعد التحول أشد رسوخاً، وأن الجرح العميق قد يتحول إلى مناعة. إن ما حدث في العراق ليس نهاية التاريخ، بل هو محطة ألم يجب تجاوزها. واليقين بأن (التحول يبدأ بخطوة) يعني أيضاً أن (النهوض يبدأ بخطوة)، وكل أمة تدرك حجم تحدياتها، وتستخلص دروسها، وتصحح بوصلتها، تكون قد بدأت رحلة الصعود من جديد. والعراق، في أعماق أبنائه، لا يزال يحلم.
6. السودان (ثورة أكتوبر 1964): على المستوى السوداني، يقدم الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر نفسه شهادة فريدة؛ فقد قال في تحليله لثورة أكتوبر 1964: (لقد نتج عن عقلية المساومة وفرق التكتيكات المرحلية وضع انتقالي، فبمجرد تشكيل حكومة أكتوبر استفاد اليمين في تعزيز مواقعه والانتقال من الدفاع إلى الهجوم باتجاه ردة شاملة عن مكتسبات أكتوبر). لم تكن ردة أكتوبر وليدة لحظة واحدة، ولا قراراً واحداً؛ كانت عملية تراكمية بدأت بـ خطوة المساومة. تلك الخطوة التي بدت ضرورية لتمرير المرحلة، فتحت الباب واسعاً أمام القوى الرجعية لاستعادة مواقعها، ثم تكفلت (عوامل الطبيعة) بالباقي، حتى انقلبت مكاسب الثورة رأساً على عقب، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه، بل وأسوأ. هذا التحليل ليس مجرد قراءة تاريخية، بل هو تأكيد على أن الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر كان يكتب من تجربته الخاصة، ومن وعيه العميق بقوانين الحركة السياسية.
7. مصر (عصر عبد الناصر ونكسة 1967): مثلت مصر بقيادة جمال عبد الناصر حلم النهضة العربية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. تأميم قناة السويس (1956)، والوحدة مع سوريا (1958)، ومشاريع التصنيع والقومية العربية، جعلت من مصر قبلة الأنظار وأمل الأمة. لكن السقوط بدأ بخطوات لم يشعر بها أحد في البداية: الانخراط في حرب اليمن (1962-1967) التي استنزفت الجيش والاقتصاد المصري، وأضعفت القدرة على مواجهة العدو الرئيسي، والتراخي في الاستعداد للحرب مع الكيان الصهيوني رغم التهديدات المتزايدة، والاعتماد على خطاب سياسي لم يقترن باستعداد عسكري كافٍ، وعدم الانتباه إلى أن الكيان الصهيوني كان يجهز نفسه لضربة استباقية. ثم جاءت نكسة 1967 في خمسة أيام؛ كانت كارثة مدوية، لكنها لم تكن مفاجئة لمن كان يتابع المسار. لقد كانت تتويجاً لمسيرة من التراجع بدأت قبلها بسنوات. يقول الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في خطاب تنحيه معبراً عن روح كلماته: “كنا نظن أننا مستعدون، لكن الحقيقة أن عوامل السقوط كانت تعمل في صمت”، لم يقلها هكذا حرفاً، لكن روح كلماته كانت تعبيراً عن إدراك أن (عوامل الطبيعة) قد عملت عملها بعد خطوات أولى خاطئة. لم ينهار الجيش المصري في لحظة واحدة؛ لقد كان الانهيار نتيجة تراكم التقديرات الخاطئة، والاستهانة بقوة العدو، والانشغال بملفات جانبية، وفقدان اليقظة.
8. سوريا: من مركز إقليمي إلى دولة مستنزفة: كانت سوريا لسنوات طويلة (قلعة المقاومة)، وخط المواجهة الأول مع الاحتلال الصهيوني. واجهت التحديات بعنفوان، وقدمت تضحيات جسام في حرب أكتوبر 1973، واحتضنت حركات التحرر الفلسطينية، وصمدت في وجه الحصار والمؤامرات. لكن السقوط بدأ بخطوات بدت في البداية وكأنها مجرد ترتيبات داخلية أو تحالفات مرحلية: التحول من موقع القيادة القومية إلى موقع التبعية الإيرانية، وانخراط سوريا في محور إقليمي كان يخدم أجندة خارجية أكثر مما يخدم القضية العربية، ومن ثم إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية لصالح بناء ميليشيات موالية للنظام على أسس طائفية وعرقية، مما فكك النسيج الاجتماعي وهدم الدولة الحديثة، وكذلك الانشغال بقمع المعارضة الداخلية بأبشع الطرق، بدلاً من مواجهة الاحتلال والتصدي للمشاريع التقسيمية. ثم جاءت عوامل الطبيعة: حرب أهلية مدمرة دامت أكثر من عقد، وتشريد الملايين، وتدمير المدن والبنى التحتية، وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، وخروج سوريا بالكامل من حسابات القوة الإقليمية، حتى سقوط النظام نفسه (2024) بعد أن فقد كل مقومات البقاء. لم يكن سقوط سوريا مفاجئاً لأولئك الذين كانوا يراقبون بتأمل مسار التحول من دولة جامعة إلى نظام متصدع. لقد كانت عوامل الطبيعة تعمل بلا كلل منذ لحظة انحراف البوصلة عن الهدف الأساسي: مقاومة الاحتلال وخدمة القضية القومية.
هذه الشواهد الثمانية كافية لنقول إن الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر لم يقرأ التاريخ فقط؛ لقد استخلص قانونه منه.
غير أن أخطر ما في الانحدار التدريجي أنه غالباً لا يُلاحظ من داخله. فالجماعات التي تتراجع ببطء تعتاد مستوى أدنى من الطموح والمعايير، حتى يصبح استرداد الحالة السابقة أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن التاريخ يبين أيضاً أن الأمم لا تسقط نهائياً ما دامت تمتلك القدرة على النقد الذاتي وإعادة بناء المعنى. فالسقوط التدريجي يمكن إيقافه حين تستعيد الجماعة قدرتها على رؤية الخطر قبل أن يتحول إلى قدر.
سادساً: ما العمل؟ كيف نتجنب المنحدر؟ إذا كان السقوط يبدأ بخطوة، فإن العلاج أيضاً يبدأ بخطوة، لكنها خطوة مختلفة، وكما يلي:
- الخطوة الأولى للوقاية هي إدراك عميق أن (لا شيء يمر)؛ الأخطاء الصغيرة تتراكم، والتسويات الهامشية تغير المسار، والتراخي في لحظة قد يكلف عقوداً.
- الخطوة الثانية هي تذكير أنفسنا بأن الحصانة المبدئية ليست شعاراً يُرفع، بل جهد يومي. نحن في معركة مستمرة ضد الجاذبية، نحتاج إلى وقفة دائمة للمراجعة، ونظام للرقابة الذاتية، وثقافة لا تستحي من الاعتراف بالخطأ.
- الخطوة الثالثة هي العودة إلى السؤال الأهم قبل كل خطوة: (لماذا نفعل هذا؟). هذا السؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه المانع الوحيد من الانزلاق إلى التبرير والتطبيع.
إن (عوامل الطبيعة) لن تتوقف عن العمل. الجاذبية موجودة دائماً، سواء اخترنا السير على الأرض أو حاولنا الطيران؛ الفارق هو أن نكون على وعي بها، وألا نترك أنفسنا فريسة للمنحدر، متناسين أن الحجر الذي يهوي بلا مقاومة لا يتحكم في مصيره. كذلك الإنسان الذي يفقد بصيرته لا يتحكم في مساره. وإذا بدأ السقوط بخطوة، فإن النهوض يبدأ أيضاً بخطوة: خطوة الوعي بالخطر قبل فوات الأوان.
خلاصة: ربما لا تسقط الأمم في اللحظة التي تُهزم فيها عسكرياً أو سياسياً، بل في اللحظة التي تعتاد فيها التراجع وتفقد حساسيتها تجاه الخطأ الصغير. فالكوارث الكبرى تبدأ غالباً من تنازل بدا بسيطاً، ومن صمت ظُنّ أنه مؤقت، ومن انحراف صغير لم يجد من يوقفه في بدايته. ولهذا تبقى بصيرة الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر صالحة لكل زمن: ليس لأن السقوط حتمي، بل لأن مقاومته تبدأ مبكراً قبل أن تتحول الخطوة الأولى إلى قدر كامل.
فالأستاذ المناضل بدر الدين مدثر لم يترك لنا كتباً كثيرة، لكنه ترك عقلاً؛ ترك طريقة في التفكير، ومقاييس دقيقة لتمييز الخطر من السلامة، ونظارة حادة لرصد التفاصيل قبل أن تتفاقم. مقولته ليست مجرد حكمة سياسية تُتلى في المناسبات؛ هي نظرية في التغيير، ومنهج في النقد، ووصية لمن بعدهم بأن:
- لا تستهن بالخطأ الصغير.
- لا تبرر التراجع بحسن النية.
- لا تعتقد أن القادم سيكون أفضل تلقائياً إذا لم تصلح ما فسد اليوم.
- لأن السقوط يبدأ بخطوة، والباقي تتكفل به عوامل الطبيعة.
رحم الله الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر، ونفع الأمة العربية ببصيرته.

Leave a Reply