السقوط يبدأ بخطوة: قراءة فلسفية في جدلية التآكل والانهيار عند المناضل بدر الدين مدثر(1-2)

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

تمهيد: ليس السقوط حدثاً واحداً نستطيع أن نؤرخ له كالموت، بل هو عملية بطيئة، تآكل صامت، تسلل لا نشعر به إلا بعد فوات الأوان. إنه كالشق في جدار السفينة، ضئيل أول الأمر، ثم ينفرج اتساعاً حتى يبتلع البحر كل شيء. هذا هو جوهر المقولة العميقة التي تركها لنا المرحوم الأستاذ بدر الدين مدثر، أمين سر قطر السودان وعضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، حين قال: (السقوط يبدأ بخطوة والباقي تتكفل به عوامل الطبيعة).

في هذه الكلمات القليلة، تتكثف فلسفة كاملة عن طبيعة الانهيار في السياسة والمجتمع والروح. إنها تحذير من أن الخطر الأكبر ليس في الهزائم المدوية، بل في التنازلات الصغيرة التي نعتادها، والتراجعات الهامشية التي نبررها، والانكسارات اليومية التي نمررها كأنها طبيعية.

هذا المقال محاولة لفهم هذه المقولة في سياقاتها الفلسفية والتاريخية، ولعلها تكون نافذة على ثقافة نادرة في الوعي النقدي، قلما نجدها في خطاباتنا السياسية المعاصرة.

أولاً: لماذا يبدأ السقوط بخطوة؟

في الفيزياء، الجاذبية لا تحتاج إلى إرادة. يكفي أن تزيح حجراً عن موضعه قليلاً، حتى تبدأ رحلة السقوط. وفي الطب، الخلايا السرطانية لا تقتل دفعة واحدة، بل تبدأ بخلايا شاذة تتكاثر دون رادع. وفي الاقتصاد، الأزمات المالية الكبرى تبدأ غالباً بانهيار مؤسسة صغيرة، ثم تتسع الدائرة كالنار في الهشيم. كذلك في السياسة والمجتمع، الخطأ الأول ليس مجرد خطأ؛ إنه بوابة لسلسلة لا تنتهي من الأخطاء. لماذا؟ لأن التبرير سهل: (هذه مجرد خطوة مؤقتة، الظروف صعبة، لا بد من المرونة)، ولأن الاعتياد سريع؛ ما كان شاذاً يصبح طبيعياً، وما كان مرفوضاً يصبح مقبولاً، وما كان خطأً يصبح روتيناً، ولأن فقدان البوصلة تدريجي: نبدأ بالتفكير في (كيف ننجو؟)، بدلاً من (لماذا نناضل؟)، ثم ننسى (لماذا) تماماً.

هذا هو (المنحدر) الذي يتحدث عنه الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر. خطوة واحدة تكفي لبدء الحركة، والباقي تتكفل به (عوامل الطبيعة)، الجاذبية السفلية للتراجع، والانزلاق إلى القاع بمجرد أن نفقد نقطة الثبات.

ثانياً: الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر – قصة رجل عرف معنى النضال: ليس صاحب هذه المقولة فيلسوفاً عاش في برج عاجي، ولا أستاذاً جامعياً ينتج نظريات من الكتب. الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر اختبر المقولة في جسده قبل أن يصوغها كلمات. هو أحد مؤسسي حزب البعث في السودان في ستينيات القرن العشرين. رجل قادته الظروف إلى صفوف المقاومة مبكراً، فعاش في خنادق النضال والنقاش ورفع الوعي، لا في غرف مكيفة.

تعرض للاعتقال في عهد نميري، وظل في السجن حتى عام 1974. ثم غادر إلى العراق، حيث عمل عن كثب مع القيادة البعثية في أوج قوتها، وتدرج في المسؤوليات حتى أصبح أمين سر قطر السودان وعضواً في القيادة القومية.

لكن تجربته لم تكن صعوداً منتصراً فقط؛ لقد عاش تفاصيل (بداية السقوط والتحول) في السودان والعراق والمنطقة العربية. رأى كيف أن التنازلات الصغيرة تؤدي إلى هزائم كبرى، ورأى كيف أن (خطوة) واحدة غير محسوبة يمكن أن تكلف حركة بأكملها سنوات من الانكسار.

لذلك، لم تكن مقولته تنظيراً أكاديمياً؛ كانت بصيرة من داخل المعركة، وشهادة من داخل الخندق، ووصية من مناضل عرف أن الثمن غالٍ، وأن الاستدراك قبل فوات الأوان هو أصعب أنواع البطولة.

ثالثاً: عوامل الطبيعة – في جاذبية الانهيار: المقولة لا تتهم (عوامل الطبيعة) بالقسوة فقط، بل تكشف عن قانون حتمي في حركة الأمم والحركات؛ التراجع يولد تراجعاً أسرع، والتنازل يفتح شهية للمزيد، والهزيمة الصغيرة تمهد لهزيمة أكبر. هذه (الجاذبية السياسية) تعمل عبر ثلاث آليات على الأقل:

1. آلية التبرير: حين ننحرف قليلاً عن المبدأ، نجد لأنفسنا ألف عذر. ومع كل تبرير، يضعف صوت المبدأ في داخلنا.

2. آلية التطبيع: ما كان استثناءً يصبح قاعدة. نعتاد مستوى أدنى من الالتزام، ونظن أننا نتمتع بـ(المرونة)، بينما نكون في الحقيقة نتراجع.

3. آلية الانزلاق: بمجرد أن نبدأ، تزداد سرعة التراجع. كل خطوة تضعف مقاومتنا للخطوة التالية، فنصبح أسرى الوضع الجديد، حتى ننسى أننا كنا في موضع آخر أفضل.

هذا هو جوهر (عوامل الطبيعة)؛ ليست مؤامرة خارجية بالضرورة، بل هي قوانين داخلية في سلوك الجماعات والأفراد. وما لم نكن يقظين، فسوف تعمل ضدنا بلا رحمة.

رابعاً: من نظارة رؤية إلى مهماز نهوض: (لماذا التفاؤل ليس ترفاً بل واجباً): غير أن قراءة هذه المقولة لا ينبغي أن نحولها إلى مجرد (نظارة رؤية) حادة نرى بها عيوبنا فقط، فتصبح أداة تشخيص دون علاج، ونافذة على الخطر دون باب للخلاص؛ لأن الوعي بالانهيار وحده قد يكون بداية الشلل إذا لم يصحبه وعي بإمكانية النهوض.

إن الأستاذ المناضل بدر الدين مدثر لم يقل هذه المقولة ليجعل منا متفرجين على عوامل الطبيعة وهي تعمل، بل ليوقظ فينا اليقظة التي تسبق الفعل. التفاؤل، في هذا السياق، ليس غفلة عن المخاطر، بل هو إيمان راسخ بأن الأمم لا تُكتب لها الهزيمة ما دام فيها من يرى الخطر قبل وقوعه، ويوقظ الآخرين قبل فوات الأوان. إنه ذلك (الأمل الجريء) القادر على تحويل البصيرة إلى مهماز نهوض، والنقد الذاتي إلى طاقة إصلاح.

فالإيمان بالقضية لا يعني إنكار الصعوبات، بل يعني الثقة بقدرة الأمة على تجاوزها. والتاريخ لا يصنعه المتفائلون السطحيون الذين يرون فقط ما هو جميل، ولا المتشائمون الذين يرون فقط ما هو مظلم، بل يصنعه أولئك الذين يرون الخطر بوضوح، لكنهم مع ذلك ينهضون. غير أن المقولة لم تكن لتصبح حكمة خالدة لو اقتصرت على التحذير من السقوط، بل تكمن قيمتها الحقيقية في قدرتها على أن تكون (مهماز نهوض) لمن يستمع إليها قبل فوات الأوان.

لعل أصدق شاهد على أن السقوط ليس نهاية المطاف، هو ما جرى في غزوة أُحُد (شوال 3هـ). فبعد نصر بدر بعام واحد، تعرض المسلمون لهزيمة موجعة: استشهاد سبعين صحابياً، وكُسرت رباعية النبي ﷺ، وشُجَّ رأسه الكريم. لكن هذه الهزيمة لم تكن نهاية الدولة الناشئة، بل كانت (امتحاناً وتمحيصاً) نزل على إثره ما يقارب خمسين آية في سورة آل عمران (الآيات من 121 إلى 179)، تحلل الأخطاء وتصحح المسار. لقد تعلّم الصحابة أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل هي (امتحان) يخرج منه الصفوة أقوى، فعادوا واستعادوا المبادرة. هذه هي قوة الإيمان: أن تنكسر لكن لا تنهار، أن تسقط لكن تقوم.

وفي قلب الفكر البعثي نفسه، تكمن صيرورة مستمرة تمنع الجمود. فالحصانة المبدئية ليست درعاً جامداً، بل إطار ثابت تتغير داخله الأدوات. لقد أكد القائد المؤسس ميشيل عفلق أن (البعث ليس نظرية تشرح الواقع، بل هو إرادة تغيره). فالحزب الذي انعقد مؤتمره الثالث عشر بعد أكثر من ثلاثة عقود، وناقش أخطاء الماضي بصراحة، ووضع خارطة طريق جديدة، هو نموذج حي على أن عوامل الطبيعة يمكن تسخيرها لصالح النهوض.

ولعل أصدق شاهد على أن النهوض ممكن بعد الانكسار، هو الثورة الجزائرية (1954-1962). بعد 132 سنة من الاحتلال، وبعد مقاومات شعبية متتالية قُمِعت بعنف، قرر الجزائريون أن النهضة ليست حدثاً واحداً بل صيرورة. بدأوا بألف ومئتي مجاهد فقط، واجهوا جيشاً فرنسياً يبلغ قوامه أربعمئة ألف جندي مدجج بالسلاح. لم يكن الطريق ممهداً، بل كانت هناك خسائر فادحة، لكن حكمة الثورة كانت في قدرتها على تجاوز الخلافات الداخلية، والتركيز على الهدف الأساسي: التحرير. لقد علّمت الثورة الجزائرية العالم أن العزيمة أقوى من السلاح، وأن الشعوب إذا تمسكت بحلمها تصنع المعجزات.

وهكذا، تصبح مقولة بدر الدين مدثر: (السقوط يبدأ بخطوة والباقي تتكفل به عوامل الطبيعة) بمثابة قوس من نورين: نور الوعي بالخطر، ونور الإيمان بإمكانية المقاومة. وبهذا المعنى، تتحول من مجرد تحذير إلى دعوة، ومن نظارة رؤية إلى مهماز نهوض.

خامساً: الشواهد – سقوط الأمم يبدأ بخطوات صغيرة

التاريخ العربي حافل بالأمثلة التي تثبت صحة هذه المقولة، تمتد من أعماق الحضارة العربية القديمة إلى واقعنا الراهن.

1. الأندلس: من أعلى قمم الحضارة إلى أعمق هوة: ربما كان سقوط الأندلس أبلغ شاهد على صدق هذه المقولة. ففي عام 711، دخل طارق بن زياد الأندلس، وبنى المسلمون هناك أعظم حضارة في أوروبا في ذلك الوقت. كانت قرطبة منارة للعلم والثقافة، يطوف بها طلاب العلم من كل حدب وصوب. لكن السقوط بدأ بخطوات صغيرة: انشغال الأمراء بالصراع على السلطة، وتفكك الدولة الموحدة إلى دويلات متصارعة (ملوك الطوائف)، وكذلك الاستعانة بالقوى الخارجية (النصارى) في الحروب الداخلية. ورغم أن عوامل السقوط كانت متعددة ومعقدة، فإن الانقسام الداخلي شكّل نقطة التحول الأخطر في مسار التراجع، وهذا كان بمثابة فتح الباب للعدو لدخول البلاد، والتراخي في إعداد الجيوش والاعتماد على المرتزقة، ومن ثم فقدان روح الجهاد واستبدالها بالترف والانشغال بالمظاهر. فكل خطوة من هذه الخطوات بدت في وقتها (ضرورة مرحلية) أو (تكتيكاً مؤقتاً)، لكن عوامل الطبيعة عملت عملها، وتوالت الهزائم: سقوط طليطلة (1085)، ثم قرطبة (1236)، ثم إشبيلية (1248)، حتى سقوط غرناطة (1492)، التي كانت آخر معاقل المسلمين في الأندلس. لم تكن غرناطة سقوطاً مفاجئاً، بل كانت محطة أخيرة في منحدر بدأ قبلها بقرون.

2. الخلافة العباسية: من قمة المجد إلى سفح الإذلال: بلغت الخلافة العباسية أوج قوتها في عهد هارون الرشيد والمأمون. كانت بغداد عاصمة العالم، ومقر بيت الحكمة، ومنطلق الفتوح والعلوم. لكن السقوط بدأ بخطوات: الاعتماد على القيادات أو الفرق العسكرية التركية كحراس شخصيين للخليفة، ثم تحول هؤلاء الحراس إلى (صناع ملوك)، يقتلون من لا يرضيهم، وينصبون من يخدم مصالحهم، وكذلك تفكك سلطة الخليفة المركزية، وبروز دول مستقلة في الأطراف (الطولونيون، السامانيون، البويهيون، الحمدانيون) دون أن يحرك الخليفة ساكناً، ومن ثم تحول الخلافة من قيادة حقيقية إلى مجرد رمز ديني تحت حماية سلاطين من أعراق مختلفة. فالخطوة الأولى كانت خطوة الاستعانة بالحراس الأتراك، تبعتها عوامل الطبيعة: ضعف الخليفة، تفكك الدولة، دخول البويهيين إلى بغداد (945)، ثم السلاجقة، ثم سقوط بغداد على يد المغول (1258). لم يكن سقوط بغداد حدثاً مفاجئاً، بل كان تتويجاً لمسار انهيار دام ثلاثة قرون.

3. مملكة تدمر: طموح زنوبيا وانهياره السريع: في القرن الثالث الميلادي، استطاعت الملكة زنوبيا أن تؤسس إمبراطورية تدمرية امتدت من مصر إلى آسيا الصغرى. كانت لحظة نهضة عربية سريعة، جسدت طموحاً استقلالياً إقليمياً نادراً في ذلك الزمان. لكن السقوط بدأ بخطوة: إعلان التمرد على الإمبراطورية الرومانية (270م) قبل أن تكون تدمر قادرة عسكرياً على مواجهتها وحدها. لم تكن تلك الخطوة مدروسة بحسابات القوة الحقيقية، بل اندفاعاً بطولياً دون استعداد كافٍ. بعدها بعام واحد، استعاد الرومان سيطرتهم على الأراضي التي خسروها، وأسروا زنوبيا (272م)، وسُوّيت تدمر بالأرض لاحقاً (273م). لم تكن عوامل الطبيعة هنا مجرد قوى طبيعية، بل كانت قوة إمبراطورية ضخمة استغلت الخطوة الأولى الخاطئة للقضاء على مشروع واعد بأكمله.

نواصل

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.