عبد الرحمن أبو زهرة.. الفنان الذي لم يُخفِ انتماءه القومي

صحيفة الهدف

راما عبد الله
شكّل الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة نموذجًا خاصًا للفنان الذي جمع بين الموهبة الفنية والموقف الفكري، فكما ترك أثره العميق على خشبة المسرح وفي السينما والدراما التلفزيونية، ظل أيضًا متمسكًا بقناعاته السياسية والقومية، رغم ما جرّه عليه ذلك من تضييق وملاحقات في بعض الفترات. انحاز أبو زهرة منذ وقت مبكر إلى الفكر القومي العربي، وتأثّر بالمشروع الناصري بما حمله من شعارات العدالة الاجتماعية والوحدة العربية، وكان يؤمن بأن الفن لا ينفصل عن هموم الناس وقضايا الأوطان.
وُلد أبو زهرة عام 1934 في محافظة دمياط، وانتقل صغيرًا إلى القاهرة، حيث تأثّر بوالده مدرس اللغة العربية، فاكتسب مبكرًا حب اللغة والقدرة على الإلقاء السليم، وهي الموهبة التي أصبحت لاحقًا إحدى أهم أدواته الفنية. التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية سرًا من أسرته، ثم عمل لفترة قصيرة موظفًا في وزارة الحربية، قبل أن يجد مكانه الحقيقي في المسرح القومي، الذي ظل مرتبطًا به وجدانيًا حتى أوصى بأن يمر جثمانه أمامه بعد رحيله. وكان معروفًا بانضباطه الشديد واعتماده الكامل على فهم الشخصية والتعايش معها نفسيًا، حتى إنه كان يقول دائمًا إنه لا يدخل البروفات أو التصوير وفي يده ورقة.
برز انتماؤه القومي بوضوح في موقفه الرافض لاتفاقية كامب ديفيد التي وقّعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع الكيان الصهيوني عام 1979، وهو موقف كلّفه مضايقات أمنية واعتقالًا عقب مشاركته في عرض مسرحي بالعراق تضمّن قصيدة )لا تصالح (للشاعر أمل دنقل. وخلال التحقيقات وُجّهت إليه تهمة الانتماء إلى حزب البعث، في وقت كانت فيه السلطة تنظر بعين الشك إلى كل من يحمل توجهًا قوميًّا أو ناصريًّا، رغم أن أبو زهرة كان معروفًا بانتمائه الفكري إلى التيار الناصري. وقد روى لاحقًا أن تلك المرحلة كشفت حجم الحساسية تجاه أصحاب المواقف القومية داخل الوسط الثقافي والفني.
كما كشف أبو زهرة في لقاءات صحافية وتلفزيونية أن بعض الجهات الأمنية حاولت استغلاله للتجسّس على زملائه الفنانين ونقل ما يدور داخل الوسط الثقافي، لكنه رفض ذلك بشكل قاطع، معتبرًا أن الفنان لا يمكن أن يتحوّل إلى أداة ضد زملائه أو ضد حرية التعبير. كما تم سحب جواز سفره لفترة عقب تلك الواقعة، في محاولة لتقييد حركته ومراقبة نشاطه.
وكان أبو زهرة يعلن صراحة انتماءه الناصري وتأثره بالرئيس جمال عبد الناصر، وظلّ يرى في المشروع القومي العربي حلمًا ثقافيًا وإنسانيًا، لا مجرد مشروع سياسي. لذلك انعكس هذا الوعي في اختياراته الفنية، فمال إلى الأعمال ذات البعد التاريخي والاجتماعي والإنساني، وبرز في تقديم الشخصيات المركبة وشخصيات السلطة والتحولات الاجتماعية.
وخلال أكثر من ستة عقود، ترك أبو زهرة بصمة واضحة في المسرح والدراما والسينما. ففي المسرح تألق في أعمال مثل (بداية ونهاية) و(المحروسة) و(ياسين وبهية) و(زهرة الصبّار). أما تلفزيونيًا فخلّد شخصيات بارزة مثل الحجاج بن يوسف في (عمر بن عبد العزيز)، و”إبليس” في (محمد رسول الله)، إلى جانب شخصيته الأشهر المعلّم إبراهيم سردينة في (لن أعيش في جلباب أبي)، التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية العربية. كما عُرف بقدرته اللافتة على المزج بين التراجيديا والكوميديا، ومنح الشخصيات الشعبية والحكيمة عمقًا إنسانيًا خاصًا.
وفي السينما، شارك في أفلام مهمّة مثل (أرض الخوف) و(حب البنات) و(الجزيرة) و(النوم في العسل)، كما ترك أثرًا لافتًا في عالم الأداء الصوتي للأطفال من خلال شخصيتي (سكار) في الأسد الملك و(جعفر) في علاء الدين، حتى كرّمته ديزني تقديرًا لأدائه المتميز.
ورغم حضوره الفني الكبير، ظل عبد الرحمن أبو زهرة محتفظًا بصورة الفنان صاحب الموقف، الذي لم يفصل يومًا بين الفن والكرامة والحرية، وبقي حتى رحيله نموذجًا لفنان لم يُخفِ انتماءه القومي، ولم يتراجع عن قناعاته مهما تبدّلت الظروف والأزمنة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.