أبوذر الغفاري بشير
أثناء مروري بسوق مدينة الدويم وأنا صبي صغير، استرعى انتباهي مشهد غريب، إذ مرّ بي رجل يمتطي حمارًا أبيض فارهًا، ويرتدي جلابية وعمامة ناصعتي البياض، وقد ثبت على عمامته شريطًا من قماش طُرِّزت عليه، بخيوط القيطان الأحمر وبخط ماهر، كلمة: (الموت). وكانت وجنتا الرجل تحملان الشلوخ العرضية التي تميّز أهلنا الشايقية.
توقفت لحظات أحدّق في صورة الرجل. لقد سحرني ذلك الوجه، وكدت أحس بنقاء نور يتدفّق من بين خلاياه. وخطر لي، في دهشة صبي، أنه قادم من عالم غير العالم الذي أعرفه، فمن العسير أن تتخيّل رجلًا يضع بين عينيه كلمة تختزن كل معاني الرهبة والغموض، ثم يمضي بها بين الناس في هدوء، وكأنه يذكّرهم بهذا المصير المحتوم الذي يتطلب استعدادًا.
أسرعت إلى والدي في متجره، وأخبرته بما رأيت، فلم يزد على أن قال: “دا عمك ود الفضيل، بصحّي الناس بدري للصلاة”. غير أن عبارة والدي لم تبدّد غموض الحالة، بل أضافت إليها غموضًا آخر، ثم ظللت بعد ذلك أترقّب الرجل لأعرف عنه المزيد.
كان الرجل طاقة متحرّكة في تذكير الناس بالموت والاستعداد له، فأول ما يطالع الناظر إليه كلمة (الموت) التي وضعها على جبينه لتكون أداة للتذكير الدائم والتشمير للاستعداد له. كما أن عبارته الأثيرة التي يدعو بها وتلازمه في حلّه وترحاله: “التوبة قبل الطُوبة”، ويقصد بها أنه لا بد للمرء من توبة قبل أن يُسند في قبره بطُوبة من الطين.
دأب ود الفضيل على إيقاظ سكان المدينة في وقت مبكر لقيام الليل، ملتمسًّا إشراكهم في الفضل حيث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. فينهض في وقت مبكر من الهزيع الأخير من الليل، ويظل يطوف كل أحياء المدينة يدعو النائمين إلى قيام الليل وتعميره بالصلاة، بصوت مؤثر شجي وبكلمات ناعمة تتناسب وبركة هذا الوقت، ويستخدم ود الفضيل لغة فصيحة مأثورة:
سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله الواحد الأحد
سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله الواحد من قسم الأرزاق ولم ينس أحد
سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله الملك القدوس
حفر ود الفضيل لغة بسيطة في دعوته لقيام الليل استمدّها من مفاهيم شعبية تلامس حياتهم اليومية وبثّها في أذهان العامة، حتى كادت أن تكون جزءًا من قاموس المدينة، فمن عباراته الشهيرة في الوعظ: “النام من الحَمار للحَمار ما فيه عَمار”، ويقصد بها من نام من شفق الغروب إلى شفق الشروق فقد أضاع على نفسه خير هذا الوقت الليلي الذي تكتسب فيه المواهب، ويعلي صوته بلسان مبين: “ساعة البركة ما تقطعوا الحركة”..
من كلماته الآسرة في إيقاظ الناس وتنبيههم:
“يا نائمين مع العرائس حسّة الليل فيها الدسائس”.
“يا نائمين في المخدّة حسّة الليل فيها المودّة”.
“يا نائمين الليل كلّو راجيكم نوم لآمن تملو”.
“النام ونسى جدوله حسي”..
“النام وشخر فاتو القطر”.
حتى إذا انقضى ثلث الليل الأخير وأذّن مؤذّن الفجر، واصل طوافه على الناس، وذكّر النائمين بصلاة الفجر وهي رأس مالهم بعد أن انقضى وقت النافلة، وهو يشدو: “وقت الربح فات قوموا لراس المال”.
عايش ود الفضيل فترة أزمة الخبز في عهد الرئيس جعفر نميري، وكان بعض الناس يستغلّون تنبيهه للصلاة فيسرعون إلى صفوف الرغيف في ذلك الوقت الباكر، لأخذ حاجتهم منه قبل أن يستيقظ الآخرون. فأخذ يضيف إلى عباراته: “يا لطيف.. صحيناهم للصلاة جروا على الرغيف”.
ظل ود الفضيل جزءًا من مشهد الدويم الجمالي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حتى وهو كبير في السن. وعاش بينهم إشارة إرشادية لما بعد الحياة الدنيا.

Leave a Reply