المثقف السوداني… حين تُختبر الضمائر في زمن الحرب

صحيفة الهدف

قرشي الطيب
في الأزمنة العادية، يبدو المثقف كائنًا منشغلًا باللغة، والفكرة، والجمال، وأسئلة الهوية والوجود. لكن الحروب لا تمنح أحدًا رفاهية الحياد الأخلاقي، ولا تترك للمثقفين مساحة واسعة للاختباء خلف البلاغة أو الأقنعة الرمادية. ففي لحظات الخراب الكبرى، يصبح السؤال الحقيقي: أين يقف المثقف؟ مع الإنسان أم مع البندقية؟ مع الحياة أم مع الموت؟ مع الوطن أم مع الخراب الذي يلتهمه؟
لقد كشفت الحرب السودانية الأخيرة، بكل فظاعتها، امتحانًا أخلاقيًا عسيرًا للنخب الثقافية والفكرية في السودان. سقطت أقنعة كثيرة، وارتبكت أصوات، ومال بعض المثقفين إلى الاصطفاف خلف خطاب الكراهية، أو تبرير العنف، أو تجميل القتل باسم الوطنية، أو الانتقام، أو حتى باسم “الضرورة التاريخية”. وهنا تحديدًا يفقد المثقف جوهره الحقيقي؛ لأن الثقافة التي لا تنحاز للإنسان في لحظة موته ليست ثقافة، بل تواطؤٌ متأنق.
إن المثقف الحقيقي ليس موظفًا لدى الحرب، ولا بوقًا لأي سلطة تحمل السلاح، ولا شاعرًا يطرّز بيانات الدم بالكلمات اللامعة. المثقف الحقيقي هو ضمير شعبه حين يختل ميزان العقل، وصوت الحكمة حين يعلو صراخ البنادق، وحارس المعنى حين تنحدر البلاد إلى هاوية العبث.
ولأن السودان بلدٌ مثقل بالجراح والانقسامات والانقلابات والحروب الأهلية، فقد ظل المثقف السوداني، عبر تاريخه، مطالبًا بدور أكبر من مجرد الكتابة. كان مطلوبًا منه دائمًا أن يكون شاهدًا لا شريكًا، وناقدًا لا محرّضًا، وحاملًا لمشروع وطني يتجاوز القبيلة والجهة والأيديولوجيا الضيقة. لذلك لم يكن غريبًا أن يخلّد التاريخ أسماء مثقفين وقفوا مع الحرية والسلام، بينما نسي آخرين اختاروا أن يصبحوا ظلًا للعسكر أو للميليشيات أو للسلطات العابرة.
الحرب، في جوهرها، هزيمة كاملة للثقافة؛ لأن الثقافة تبني بينما الحرب تهدم. الثقافة تفتح النوافذ، بينما الحرب تغلقها بالدخان. الثقافة تؤمن بالتعدد والاختلاف والحوار، بينما تؤمن الحرب بالإلغاء والإقصاء والصوت الواحد. ولهذا فإن أي مثقف يحتفي بالحرب، أو يتورط في خطاب التحريض والكراهية، إنما يهدم بيده كل ما ادّعى يومًا الدفاع عنه.
ولعل أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تقتل البشر فقط، بل تقتل اللغة أيضًا. تجعل الكلمات أكثر قسوة، والوجدان أكثر يباسًا، والناس أكثر استعدادًا لتقبّل العنف كأنه قدر طبيعي. وهنا تظهر أهمية المثقف الحقيقي: أن يعيد للغة إنسانيتها، وللوطن روحه، وللناس قدرتهم على رؤية بعضهم بعضًا كبشر، لا كأعداء.
إن الدعوة إلى السلام ليست ضعفًا كما يروّج أنصار الحروب، وليست خيانة كما يحاول المتطرفون تصويرها، بل هي أعلى درجات الشجاعة الأخلاقية. لأن السلام يعني الانحياز للمستقبل، للأطفال، والمدارس، والأغنيات، والمسرح، والكتب، والمقاهي، وتفاصيل الحياة البسيطة التي تسحقها المدافع بلا رحمة.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا للحروب المتطاولة؛ تشرد الملايين، وانهارت المدن، وهلكت الأرواح، وتآكلت فكرة الوطن نفسها. وفي وسط هذا الركام، لا يملك المثقف الحقيقي ترف الانشغال بمعارك الأنا أو المواقف الانفعالية الضيقة. مسؤوليته الآن أن يدافع عن فكرة السودان الممكن؛ السودان الذي يتسع للجميع بلا دماء ولا كراهية.
ولذلك فإن معيار المثقف الحقيقي في هذه اللحظة التاريخية ليس عدد الكتب التي ألّفها، ولا القصائد التي كتبها، ولا الندوات التي شارك فيها، بل موقفه الأخلاقي الواضح من الحرب نفسها. هل وقف مع الإنسان؟ هل دافع عن حق الناس في الحياة والأمان؟ هل رفض القتل أيًا كان فاعله؟ هل دعا إلى السلام بلا مواربة؟
هذه هي الأسئلة التي سيحتفظ بها التاريخ.
أما الذين جعلوا من الثقافة خادمًا للحرب، فسوف تبتلعهم العتمة نفسها التي حاولوا تبريرها.
وفي النهاية، يبقى المثقف الحقيقي هو ذلك الذي يحمل شمعة صغيرة في زمن الحريق الكبير؛ لا ليزيد النار اشتعالًا، بل ليقود الناس نحو الضوء. لأن الأوطان لا تنجو بالبندقية وحدها، بل تنجو بالعقل، والرحمة، والوعي، وبأصوات الذين يصرّون، حتى وسط الخراب، على أن السلام هو المعركة الأجمل والأكثر نبلًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.