وهم الدليل.. من الخرافة إلى الأسطورة

صحيفة الهدف

معتز مختار علي
الخرافة يا سيدي ليست مجرد قصة، بل هي اختصار مريح للتفكير. بدل أن تتعب نفسك بالسؤال والبحث والتحليل، تأتيك الحكاية جاهزة: حدثٌ غامض + تفسير غيبي سريع = راحة نفسية فورية.
الإنسان بطبيعته يخاف من المجهول، لكنه يكره الفراغ أكثر. فإذا لم يجد تفسيرًا علميًا، صنع تفسيرًا خياليًا.. ثم صدّقه بكل إخلاص.
أما الأساطير، فهي النسخة “الفاخرة” من الخرافة؛ فيها حبكة، ورمزية، وأحيانًا بطل بعضلات خارقة، لكنها في النهاية تؤدي نفس الوظيفة: إشباع حاجة داخلية عميقة عند الإنسان، حاجة إلى المعنى، إلى الشعور أن هذا الكون ليس عبثيًا، وأن هناك شيئًا “أكبر” يتحكّم في التفاصيل.
المشكلة ليست في القصة.. بل في التحوّل من “حكاية تُروى” إلى “حقيقة لا تُناقش”.
ولِمَ يحب الناس هذا النوع من القصص؟ ببساطة لأنها تُدهش. والعقل البشري، رغم كل ادعاءاته بالمنطق، ضعيف أمام الدهشة. عندما يحدث شيء لا نفهمه، نشعر برهبة، وهذه الرهبة تُترجم بسهولة إلى تصديق. كأن الغموض دليل، والعجز عن الفهم برهان. وهنا تبدأ الكارثة الصغيرة:
كل ما هو غير مألوف يصبح “دليلًا”، وكل ما هو غريب يتحول إلى “حقيقة”.
لكن السؤال الأهم: هل كل ما هو خارق يدل على أن الله حق؟ هنا يجب أن نتوقف قليلًا.. ونشغّل ذلك الجهاز الفاخر الذي أطفأناه قبل قليل.
لو كانت الخوارق وحدها دليلًا على الحق، لكان كل من ادعى كرامة أو سحرًا أو قدرة غامضة صادقًا، ولأصبح العالم مسرحًا مفتوحًا للحقيقة والباطل دون تمييز. الخارق في ذاته لا يحمل توقيعًا إلهيًا واضحًا، بل هو حدث يحتاج إلى ميزان، إلى معيار، إلى عقل يزن ولا ينبهر فقط. لأن الانبهار – للأسف – لا يفرّق بين نبي وساحر، ولا بين حق وخيال.
الإيمان الحقيقي لا يقوم على “صدمة بصرية” أو “حكاية عجيبة”، بل على بناء أعمق: تأمل، فهم، دليل، وانسجام داخلي بين العقل والقلب. أما الإيمان المبني على الخرافة، فهو إيمان هش.. ينهار أمام خرافة أكبر. اليوم تؤمن بقصة لأن فيها طيرانًا، وغدًا تكفر لأن قصة أخرى فيها طيران أعلى.
باختصار، المشكلة ليست في أن الناس تحب الخرافة.. فهذا مفهوم.
المشكلة حين تتحوّل الخرافة إلى مرجع، والخارق إلى دليل نهائي، والعقل إلى متفرج يصفّق بدل أن يحكم.
وربما أجمل مفارقة في كل هذا أن الإنسان يبحث عن الله في الأشياء الغريبة.. بينما أعظم الدلائل أمامه كل يوم، في نظام الكون، في نفسه، في تفاصيل لا تحتاج إلى “مؤثّرات خاصة” لتُدرك. لكنه – كالعادة – يمر عليها مرور الكرام، منتظرًا جنّيًا يخرج من المصباح ليقول له: “ها أنا الدليل”!.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.