الحرب تعرّي أشباه المثقّفين

صحيفة الهدف

محمد الحاج

كثيرًا ما يُسرّ لي أن أقابل من يروون حكايات تملؤها الفجعة؛ فجعة ليست في فقدان المتاع، بل في فقدان “الصورة الذهنية” لأشخاص كانوا يومًا ملء السمع والبصر. أقارب، أصدقاء، جيران، ومعارف ومثقّفون، كانت صورهم زاهية في القلوب، لكن ما إن كشفت الحرب عن ساقها حتى تبدلوا، وكأنهم كانوا ضيوفًا في حفل تنكّري طويل، خلعوا فيه أقنعة اللطف ليكشفوا عن أنانية مفرطة، وجهوية ضيقة، وعنصرية بغيضة.
إن الحرب ليست مجرد صراع عسكري يُدار على رقعة الأرض، بل هي مجهر دقيق يُسلَّط على مكامن الأخلاق والمواقف. هي تلك اللحظة الفارقة التي يسقط فيها التكلّف، وتذوب خلفها الكلمات المنمّقة أمام اختبار الواقع المرير. فالحرب طريق وعر ومنعطف حاد، لا يعبره إلا أصحاب المعادن الحقيقية.
لماذا تُعرّينا الحروب؟
في زمن الرخاء، يسهل ارتقاء منابر الثقافة وادعاء الوعي والشهامة، فثمن الكلمات زهيد. أما في أتون الحرب، فتصبح المواقف ذات كلفة عالية، وقد يدفع المرء ثمن صدقه وموقفه من أمنه وراحته، وهنا يتوارى المدّعون.
تنتصر الحقيقة على القناع، فالضغط النفسي الهائل والنزاع من أجل البقاء يضعان الإنسان أمام نفسه وطبيعته؛ فإما أن تفيض روحه بالرحمة المتأصلة والصلابة الأخلاقية، أو يبرز الهلع الذي يقود إلى الأنانية والتخلّي.
سقوط “أشباه المثقّفين”
لعل الوجع الأكبر يكمن في خيبة الأمل بمن ظنناهم “نخبة”. فالثقافة الحقيقية ليست حذلقة لغوية أو رصًّا للمصطلحات، بل هي موقف أخلاقي ينحاز للإنسان أولًا. وحين تتحوّل الثقافة إلى أداة للتبرير أو إلى صمتٍ مريب، تسقط الأقنعة لتكشف عن خواء فكري مهين.
إن قانون “ذهاب الزبد” هو جوهر الحقيقة الكونية التي يثبتها التاريخ دائمًا؛ فالمواقف الرمادية تتلاشى مع أول شعاع للحق ولا يذكرها أحد، والمتلوّنون يفقدون ثقة الجميع ويغدون غرباء حتى عن أنفسهم.
أما المعدن الأصيل فهو تلك المنارة التي قد تعاني عصف الريح وتتحمّل الخسارات، لكنها تبقى هاديًا للناس بعد أن ينقشع غبار المعارك.
ورغم مرارة الفقد، فإن هذه الخسارات في جوهرها عملية تطهير قاسية للدائرة المحيطة بنا؛ فأن نكتشف حقيقة من حولنا الآن، برغم الألم، خيرٌ من أن نفني أعمارنا مستندين إلى جدار مائل.
فالبقاء دومًا لما ينفع الناس، ولما يثبت في الأرض من صدق ونبل وأصالة. وحقًا، الحرب هي مغربلة النفوس وصقّالة الرجال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.