أرض الغرباء

صحيفة الهدف

د.توتا صلاح مبارك

تسلّل الوجع خلسةً
إلى تعرّجات روحها،
مثل ظلٍّ ثقيل.
تذكّرت نظرة أمّها
حين ارتطمت عيناها
بحقيبتين كبيرتين.
كانت نظرةً وجِلةً
قالت كلّ شيء
قبل أن تهتف:
“كُرّ عليّ..
دي ما ناوية ترجع تاني،
دي ما عفش ستة شهور بس”!
لن تنسى نحيب شقيقتها
حين شجَّ الصمتَ
وشقّ الوداعَ نصفين.
فقد اقتسمتا كلّ شيء:
الغرفة، الفساتين، الأسرار الصغيرة..
وحتى الأحلام المستحيلة.
ها هو السفر،
اللعين،
يغرس نصله الحادّ دون رحمة!
أما والدها فحدّق بعيدًا،
تحاشى عينيها،
كأن البعد أهونُ منهما.
مدّ لها خطابًا
وقال:
“اقرئيه هناك..
في مستقركِ المرتجى.”
كان الهواء لافحًا في الطريق إلى المطار،
وشمس الخرطوم الحارقة
تغسل شارع الأسفلت
بحراراتها اللاهبة.
شارعٌ يمتدّ من الرياض إلى المطار،
كان عاريًا من المباني الكثيرة
التي اقتحمت وحدته لاحقًا،
وتربّعت بجرأة على جانبيه.
حلّت اللحظة الآثمة،
سالت الدموع،
وتعطّلت اللغة،
إلا من نشيجٍ حزين
توقّف عند تميمةٍ
نطق بها الوالدان
للقاءٍ مأمولٍ بعد الفراق:
“لا إله إلا الله..”
فردّدت هي:
“محمد رسول الله”.
دخلت صالة المطار
بخطواتٍ مثقلة،
كأن الأرض التي أحبّت
تشدّها وترجوها أن تبقى.
اقترب منها رجل،
ناداها باسمها،
وقادها إلى غرفة
لم تكن تعلم
كيف وصلت إليها.
قال: “لديَّ أمرُ تفتيش”.
وقدّم خطابًا مُذيّلًا باسمٍ ثقيل:
(رائد أمن محمد أحمد دفع الله)
مضى الوقت بطيئًا كحيوانٍ كسيح.
كان تفتيشًا دقيقًا
لأشياء حُشرت في الحقائب بلا ترتيب،
وتفتيشًا آخرَ شخصيًّا
لم يتحرّج أن ينتهك قدسية الجسد
ببرودٍ رسمي.
نظر إلى وجهها،
وفضّ “الظرف” المغلق،
وصادر وصيّةَ
أن يُفضَّ ويُقرأ هناك
في “أرض الغرباء..”
هكذا قال والدها،
وهكذا كان يأمل.
تراجعت القسوة من عينيه،
لينبت مكانها
عطفٌ مرتبك
وانكسارٌ خفيّ،
حين بدأ يقرأ بصوتٍ مرتفع كلمات أبيها:
“غدًا تعودين إلى الوطن،
فتكملين رسالتك،
تعالجين المرضى،
وتضمّدين الوجع.
ستكونين وحدك
في بلادٍ غريبة،
فاحفظي اسمي
بالسمعة الحسنة”.
تنهّد الرجل،
ولم يتمالك نفسه،
هتف بدهشة:
“يا سلاااام..
إنتِ أبوكِ دا شغال شنو”؟
قالت كلماتها،
وكانت قاطعةً كحدِّ سكين:
“إنه أبي.. وكفى”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.