أبو بكر الطيب
الرياضة منذ سنوات، تعيش داخل “غرفة إنعاش” فخمة، جدرانها مطلية بوعود الممولين، وهواؤها يُضخ عبر “أنابيب أوكسجين” يملك صمامها أفراد لا مؤسسات. والمفارقة الموجعة أننا كلما ازداد ضخ المال، ازداد الجسد الرياضي اختناقاً وضعفاً وعجزاً عن الوقوف وحده.
لقد بدأت العدوى داخل الأندية التي أدمنت “ثدي الأفراد”، ثم تمددت حتى وصلت إلى الاتحادات التي يُفترض أنها حارسة القوانين وهيبة الدولة الرياضية. واليوم، أصبحنا أمام مشهد سريالي؛ اتحادات محلية عريقة، وأندية بتاريخ أمة، لا تستطيع تحريك حافلة، أو تنظيم منافسة، أو سداد التزام بسيط، إلا بعد “إشارة سماح” من يد الممول.
ولسنا هنا ضد الدعم، لكي يصعب على بعض أصحاب المفاهيم المبرمجة فهمها، فالدعم النظيف في زمن الانهيار قد يكون ضرورة مباحة، لكن الفرق شاسع بين من يدعم المؤسسة لتقف على قدميها، ومن يطعمها بيد ليقودها بالأخرى. الأول يبني كياناً قادراً على الحياة بعد رحيله، أما الثاني فيصنع تابعاً ينهار بمجرد أن يغادر المشهد. الأول يزرع الاستقلال، والثاني يزرع التبعية في ثوب الكرم.
إلى سدنة الكراسي
إن ارتضاءكم بدور “الديكور الإداري” في صالونات الأثرياء هو الجريمة الكبرى التي تُرتكب الآن في حق الرياضة السودانية. فعندما تصبح ميزانية الاتحاد أو النادي رهينة لـ “مزاج” فرد، فأنتم لا تديرون مؤسسات، ولكن تديرون “إقطاعيات رياضية خاصة”. المؤسسة التي لا تملك قرارها المالي، لا تملك كرامتها الفنية ولا استقلالها الإداري. كيف ستحاسبون ممولاً إذا أخطأ، وأنتم تقتاتون من فتات مائدته؟ كيف ستفرضون لوائحكم على من يستطيع إسقاطكم بمجرد إغلاق البلف؟ لقد استبدلتم “هيبة القانون” بـ “ذل الاحتياج”، حتى أصبح بعض المسؤولين يخشون غضب الممول أكثر من خشيتهم على ضياع الكيان نفسه.
ناس التصفيق
أما تلك النظرة القاصرة التي توهم البعض بأن نقد هذا الارتهان هو نوع من الحسد أو محاربة الداعمين، فهي السم البطيء الذي سيقتل الأندية والاتحادات مستقبلاً. لا حسد لأصحاب الأموال على نعمهم، ولا نقلل من قيمة من يدعم في زمن الشدة، لكننا نحسد الأندية العالمية على أنظمتها ومؤسساتها التي تجعل رحيل الرئيس مجرد إجراء إداري عابر، بينما يتحول رحيل الممول عندنا إلى “يوم قيامة رياضي”. إن ما تسمونه “دعماً بريئاً” قد يتحول مع الوقت إلى “تأميم كامل” لمستقبل الكيان. أنتم تصفقون اليوم لمن يشتري لكم “سمكاً” سريعاً، بينما تقتلون الصياد الحقيقي الذي يسكن في هوية النادي، وفي جماهيره، وفي نظامه الإداري، وفي قدرته على صناعة موارده بنفسه.
الخطر الداهم
تخيلوا معي “صباح الانهيار الكبير”
عندما يقرر الممول — لأي سبب — إغلاق البلف.
ماذا سيحدث؟
ماذا لو مات الممول؟
ماذا لو أفلس؟
ماذا لو اختلف مع المجموعة المحيطة به؟
هل تملك مؤسساتنا الرياضية القدرة على النجاة يوماً واحداً خارج جهاز التنفس الصناعي؟
يومها لن تسقط البطولات وحدها، ولكن ستكتشف الجماهير أنها لا تملك نادياً حقيقياً، ولا اتحاداً مستقلاً، وإنما تملك لافتات معلقة على الجدران، عليها اسم النادي أو الاتحاد. إن الفطام مؤلم، نعم… لكنه الطريق الوحيد لنمو الأجساد القوية. أما البقاء تحت “أوكسجين المال الفردي”، فليس إنقاذاً كما يظن البعض، إنه تأجيل وتخدير للحظة السقوط الكبرى.
إن الأندية والاتحادات التي تتعود على العكاز، تنسى كيف تمشي. وعندما يأتي يوم الحقيقة، لن تسقط الأموال وحدها فستسقط معها الأسماء، والتواريخ، والهتافات التي ظنت يوماً أن المجد يُشترى بالشيكات لا بالبناء.
وأهلك العرب قالوا:
لا يَصلُحُ البُنيانُ يوماً فوقَ قاعٍ مُنهارِ
فالسقفُ مهما زُخرفَتْ أركانُهُ… يهوِي معَ الجدارِ
وقالوا:
إذا كانَ أصلُ الغرسِ ضعفاً مُوهِناً
فكيفَ يُرجى الظلُّ عندَ الهجيرِ؟
وقالت العرب قديماً:
“من عاشَ مستنداً إلى كتفِ غيرهِ… ماتَ واقفاً عندما ابتعدَ السند.”
والله المستعان
#ملف-الهدف-الرياضي #السودان #الكرة_السودانية #أبو_بكر_الطيب #صحيفة_الهدف #الوعي_الرياضي #السيادة_الوطنية #مستقبل_السودان #الاستقلال_الإداري #لا_للـحـ.رب

Leave a Reply