المقدمة
منذ بدايات القرن العشرين، تبلور المشروع الص.هيوني في سياق مزدوج: من جهة، يستند إلى نصوص توراتية تطرح تصورًا لدولة تمتد من الفرات إلى النيل، ومن جهة أخرى، يتجسد في دور وظيفي حدّدته القوى الاستعمارية الغربية “لإسرائيل” باعتبارها قاعدة متقدمة لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. هذا التناقض بين الطموح الأيديولوجي اليهودي والوظيفة الاستعمارية الغربية شكّل محورًا رئيسيًا في الدراسات النقدية التي تناولت طبيعة “إسرائيل” وهويتها السياسية. في هذا الإطار، قدّم حسن خليل غريب قراءة معمقة لهذا التناقض، معتبرًا أن “إسرائيل” ليست دولة طبيعية، بل مشروع هش محكوم بحدود وظيفته، مهما رفعت شعارات توراتية موسّعة.
المحور الأول: المشروع التوراتي – الجذور الأيديولوجية
المحور الثاني:” إسرائيل” كقاعدة استعمارية وظيفية
المحور الثالث: التناقض البنيوي بين الطموح التوراتي والدور الوظيفي
المحور الرابع: النتائج الفكرية والسياسية
المحور الأول:
المشروع التوراتي – الجذور الأيديولوجية
يمثل المشروع التوراتي اليهودي أحد أبرز الأمثلة على تسييس النصوص الدينية وتحويلها إلى أداة سياسية–قومية. فقد اعتمدت الحركة الصه.يونية منذ نشأتها على نصوص التوراة لتبرير مشروعها الاستيطاني في فلسطين، مقدمةً هذه النصوص باعتبارها “وثيقة ملكية إلهية” للأرض. هذه الدراسة تسعى إلى تحليل الأصولية التاريخية لهذا المشروع، مع التركيز على دور نصوص التوراة في صياغة أيديولوجيته.
1-مفهوم الأصولية التاريخية:
الأصولية التاريخية تعني التعامل مع النصوص الدينية باعتبارها حقائق تاريخية مطلقة، دون إخضاعها للنقد العلمي أو الأركيولوجي(علم الآثار).. وفي الحالة اليهودية، تحولت الأسفار التوراتية إلى مرجعية قومية، رغم أن الدراسات الحديثة تؤكد أنها نصوص مركبة كُتبت وجُمعت على مدى قرون، وتعكس أساطير ومرويات شعبية أكثر مما تعكس وقائع تاريخية موثقة.
2-النصوص التوراتية كأساس للمشروع:
نصوص مثل سفر التكوين (15:18) وسفر التثنية (11:24) تحدد “الأرض الموعودة” من النيل إلى الفرات. وهذه النصوص استُخدمت لتبرير المطالب السياسية أمام القوى الاستعمارية، وأصبحت جزءًا من الخطاب الص.هيوني الرسمي. وبذلك، تحوّل النص الديني إلى مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والسكان.
3-نقد الطابع التاريخي للتوراة:
الأبحاث الأركيولوجية في فلسطين والشرق الأدنى القديم أظهرت أن معظم المرويات التوراتية لا تتطابق مع الوقائع التاريخية. وقصص مثل الخروج والتيه والفتح العسكري لكنعان تُعتبر إعادة بناء أسطورية لهوية جماعية، أكثر من كونها أحداثًا تاريخية مثبتة. ورغم ذلك، استُخدمت هذه المرويات كأدوات شرعنة سياسية في العصر الحديث.
4-من النص إلى السياسة الدولية:
مع نهاية القرن التاسع عشر، تبنّت الحركة الص.هيونية هذه الأصولية التاريخية لتبرير مشروعها القومي. وبعد الح.رب العالمية الأولى، جرى دمج النصوص التوراتية في النظام الدولي عبر وعد بلفور (1917)، مؤتمر سان ريمو (1920)، والانتداب البريطاني (1922).. وبذلك، انتقلت الأصولية التوراتية من حلم ديني إلى مشروع سياسي–قانوني معترف به دوليًا.
5-الأبعاد الفكرية والسياسية:
الأصولية التوراتية وفرت للحركة الص.هيونية شرعية دينية–تاريخية أمام جمهورها. في المقابل، وفرت للقوى الاستعمارية الغربية أداة لتبرير سياساتها في الشرق الأوسط، عبر ربط المشروع الص.هيوني بالتصورات الدينية المسيحية–اليهودية المشتركة. وهذا التداخل بين الدين والسياسة جعل المشروع التوراتي جزءًا من منظومة الهيمنة العالمية.
وفي الخلاصة، الأصولية التاريخية، خاصة نصوص التوراة، شكّلت الأساس الأيديولوجي لنشأة المشروع التوراتي اليهودي. ورغم أن الدراسات النقدية تؤكد الطابع الأسطوري لهذه النصوص، فإنها استُخدمت كأداة سياسية لتبرير الاستيطان والهيمنة، وأصبحت جزءًا من الشرعنة الدولية بعد الح.رب العالمية الأولى. إن فهم هذا البعد الأصولي ضروري لتحليل طبيعة المشروع الصه.يوني وارتباطه بالبنية الاستعمارية العالمية.
المحور الثاني:
“إسرائيل” كقاعدة استعمارية وظيفية
بروز المشروع التوراتي اليهودي بعد الح.رب العالمية الأولى: من النص الديني إلى الشرعنة الدولية. وشكّلت الح.رب العالمية الأولى نقطة تحوّل في التاريخ السياسي للشرق الأوسط، إذ أفرزت نظامًا دوليًا جديدًا أعاد رسم الخرائط الجغرافية والسياسية. في هذا السياق، برز المشروع التوراتي اليهودي كإطار أيديولوجي وسياسي، انتقل من كونه حلمًا دينيًا إلى مشروع مدعوم من القوى الاستعمارية الكبرى. هذه الدراسة تسعى إلى تحليل أهم مظاهر هذا البروز، وتوضيح كيف تحوّل النص التوراتي إلى أداة سياسية في خدمة المشروع الص.هيوني.
1-تسييس النصوص التوراتية:
اعتمدت الحركة الص.هيونية على نصوص توراتية مثل سفر التكوين والتثنية لتحديد “الأرض الموعودة”. هذه النصوص استُخدمت كمرجعية لتبرير المطالب السياسية أمام القوى الكبرى، مما منح المشروع بعدًا دينيًا–تاريخيًا في آن واحد. وبذلك، تحوّل النص الديني إلى أداة شرعنة سياسية في المحافل الدولية.
2-وعد بلفور (1917) وتكريسه بعد الح.رب:
صدر وعد بلفور قبل نهاية الح.رب، لكنه اكتسب قوته بعد الح.رب حين تبنّته بريطانيا كسياسة رسمية. وقد نص الوعد على “إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، وهو أول اعتراف سياسي دولي بالمشروع التوراتي. وبعد الح.رب، أصبح الوعد جزءًا من ترتيبات ما بعد الصراع، مما أعطى المشروع الص.هيوني غطاءً دوليًا.
3-مؤتمر الصلح في باريس :(1919)
قدّمت الحركة الص.هيونية مذكرة تطالب بالاعتراف بـ”الحق التاريخي للشعب اليهودي” في فلسطين. وهذا المؤتمر مثّل أول مناسبة دولية يُطرح فيها المشروع التوراتي كجزء من النظام العالمي الجديد. وبذلك، انتقل المشروع من خطاب ديني–سياسي إلى ملف دولي رسمي.
4-مؤتمر سان ريمو (1920) والانتداب البريطاني: (1922)
أقرّ مؤتمر سان ريمو تطبيق وعد بلفور ضمن ترتيبات الانتداب. وفي 1922، صادقت عصبة الأمم على الانتداب البريطاني على فلسطين، متضمناً نص وعد بلفور. وبهذه الخطوة منحت المشروع الص.هيوني شرعية قانونية دولية، وحوّلت فلسطين إلى ساحة مفتوحة للهجرة والاستيطان.
5-التحالف مع القوى الكبرى:
نجحت الحركة الص.هيونية في ربط مشروعها بالاستراتيجية البريطانية والفرنسية، باعتباره يخدم مصالحهما في الشرق الأوسط. وإن هذا التحالف جعل المشروع التوراتي جزءًا من السياسة الاستعمارية العالمية، لا مجرد مطلب ديني أو قومي.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن الح.رب العالمية الأولى مثّلت لحظة التأسيس الفعلي للمشروع التوراتي اليهودي، حيث انتقل من نصوص دينية إلى مشروع سياسي–قانوني مدعوم دوليًا. الشرعنة الدينية، السياسية، والقانونية تضافرت لتجعل من “الوطن القومي اليهودي” حقيقة على الأرض، وهو ما مهّد الطريق لاحقًا لقيام دولة “إسرائيل” عام 1948.
المحور الثالث:
التناقض البنيوي بين الطموح التوراتي والدور الوظيفي
مؤتمر بانرمان (1907) يُعتبر من أكثر المؤتمرات التي أُحيطت بالغموض والجدل في التاريخ السياسي الحديث. انعقد في لندن بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان، وضمّ ممثلين عن القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك. الهدف المعلن كان دراسة مستقبل المستعمرات، لكن الوثائق المتداولة عنه جاءت لاحقًا عبر مصادر غير رسمية، ما جعل الكثير من الباحثين يشكّكون في صحتها أو يعتبرونها أقرب إلى “وثيقة سياسية تفسيرية” أكثر من كونها نصًا رسميًا صادرًا عن المؤتمر.
هل تضمّن المؤتمر نصًا يؤيد المشروع التوراتي اليهودي؟
لا توجد وثائق رسمية منشورة أو معتمدة من الحكومة البريطانية أو عصبة الأمم تؤكد أن مقررات مؤتمر بانرمان تضمنت نصًا صريحًا يدعو إلى إقامة مشروع توراتي يهودي في فلسطين. وما يُتداول في الأدبيات القومية العربية هو أن المؤتمر أوصى بإنشاء “جسم غريب يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي” عبر زرع كيان استيطاني في فلسطين، وهو ما فُسّر لاحقًا بأنه إشارة إلى المشروع الص.هيوني. وظهرت هذه الصياغة في كتابات قومية عربية بعد منتصف القرن العشرين، لكنها لا تستند إلى وثيقة رسمية معترف بها دوليًا.
معظم المؤرخين الغربيين يشكّكون في وجود “وثيقة بانرمان” بصيغتها المتداولة، ويعتبرونها إعادة بناء تفسيرية لاحقة تعكس إدراك العرب لطبيعة المشروع الاستعماري. وفي المقابل، العديد من المفكرين العرب (مثل عبد الوهاب الكيالي، نديم البيطار، وغيرهم) استشهدوا بها لتأكيد أن المشروع الص.هيوني كان جزءًا من خطة استعمارية بريطانية–غربية طويلة الأمد.
وفي الخلاصة، لا يوجد نص رسمي صادر عن مؤتمر بانرمان يؤيد بشكل مباشر “المشروع التوراتي اليهودي” في فلسطين. لكن في الأدبيات العربية، يُنظر إلى المؤتمر باعتباره لحظة مفصلية عبّرت عن إدراك استعماري بضرورة زرع كيان يفصل المشرق عن المغرب، وهو ما انسجم لاحقًا مع دعم بريطانيا للحركة الص.هيونية عبر وعد بلفور (1917) والانتداب على فلسطين (1922).
المحور الرابع: النتائج الفكرية والسياسية
أولاً: التحولات الاستعمارية في نشأة المشروع التوراتي اليهودي
شكّل مطلع القرن العشرين لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، حيث بدأت القوى الاستعمارية الغربية في إعادة رسم خرائط المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. في هذا السياق، يُستحضر مؤتمر بانرمان (1907) باعتباره تعبيرًا عن إدراك استعماري بضرورة زرع كيان يفصل المشرق العربي عن مغربه، بينما جاء وعد بلفور (1917) ليحوّل هذا التصوّر إلى وثيقة سياسية رسمية. هذه الدراسة تقارن بين الحدثين، وتوضح كيف انتقل المشروع التوراتي اليهودي من فكرة إلى سياسة دولية.
1-مؤتمر بانرمان (1907) – التصوّر الاستعماري:
انعقد المؤتمر في لندن بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بانرمان، وضمّ ممثلين عن القوى الاستعمارية الكبرى. ولم تصدر وثائق رسمية معتمدة، لكن الأدبيات القومية العربية نقلت أن المؤتمر أوصى بإنشاء “جسم غريب” يفصل المشرق عن المغرب، وهو ما فُسّر لاحقًا بأنه إشارة إلى فلسطين كموقع مثالي لزرع كيان استيطاني. وبذلك، يُنظر إلى المؤتمر باعتباره تصوّرًا استراتيجيًا غير معلن، يعكس إدراك الغرب لأهمية السيطرة على قلب العالم العربي.
2-وعد بلفور (1917) – الوثيقة الرسمية:
صدر الوعد في رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، متعهّدًا بإقامة “وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. وبخلاف مؤتمر بانرمان، يُعتبر الوعد وثيقة رسمية معترف بها، شكّلت الأساس القانوني والسياسي للمشروع الص.هيوني. وقد جاء الوعد في سياق الح.رب العالمية الأولى، حيث سعت بريطانيا إلى كسب دعم اليهود عالميًا، وربط المشروع التوراتي بمصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
3-من التصوّر إلى السياسة:
مؤتمر بانرمان مثّل مرحلة التفكير الاستعماري: كيف يمكن ضمان السيطرة على المنطقة عبر زرع كيان يفصل المشرق عن المغرب. ووعد بلفور مثّل مرحلة التنفيذ السياسي: تحويل الفكرة إلى التزام رسمي، ودمجها في ترتيبات ما بعد الح.رب العالمية الأولى. وبهذا الانتقال يعكس تدرج المشروع التوراتي اليهودي من تصوّر استعماري إلى وثيقة سياسية دولية.
4-الدلالات الفكرية والسياسية:
كلا الحدثين يعكس تداخل الدين بالسياسة: النصوص التوراتية وفّرت الشرعية الأيديولوجية، بينما وفّرت القوى الاستعمارية الغطاء السياسي والقانوني. ومؤتمر بانرمان يُظهر أن فكرة زرع كيان استيطاني كانت مطروحة قبل الح.رب العالمية الأولى، بينما وعد بلفور جسّدها رسميًا بعد الح.رب. وإن هذا التدرج يوضح أن المشروع الص.هيوني لم يكن مجرد مبادرة يهودية، بل جزءًا من منظومة الهيمنة الاستعمارية الغربية.
وفي الخلاصة، يُظهر الربط بين مؤتمر بانرمان ووعد بلفور أن المشروع التوراتي اليهودي نشأ في رحم الاستعمار الغربي، حيث انتقل من تصوّر استراتيجي غير معلن إلى وثيقة سياسية رسمية. هذا المسار التاريخي يوضح أن قيام “إسرائيل” لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة لتخطيط استعماري طويل الأمد، وظّف النصوص الدينية كأداة شرعنة، والسياسة الدولية كوسيلة تنفيذ.
ثانياً: الحدود التوراتية والحدود السياسية الدولية: قراءة في نشأة المشروع الص.هيوني
منذ بدايات المشروع الص.هيوني، ظلّ الجدل قائمًا حول طبيعة “الأرض الموعودة” وحدودها. ففي حين تحدد النصوص التوراتية أرض “إسرائيل” من النيل إلى الفرات، اقتصرت الوثائق السياسية الغربية على فلسطين باعتبارها الموقع الاستراتيجي لإقامة الوطن القومي اليهودي. هذه الدراسة تسعى إلى تحليل الفرق بين الحدود التوراتية والحدود السياسية الدولية، وتوضيح كيف استُخدمت الأولى كأداة تعبئة أيديولوجية، بينما اعتمدت الثانية في القانون الدولي.
1-الحدود التوراتية – الأساس الأيديولوجي:
نصوص مثل سفر التكوين (15:18) والتثنية (11:24) تتحدث عن أرض تمتد من النيل إلى الفرات. وشكَّلت هذه النصوص المرجعية الأيديولوجية للحركة الص.هيونية، خاصة التيارات الدينية–القومية. وقد استُخدمت كشعار تعبوي لإضفاء شرعية دينية على المشروع، لكنها لم تتحول إلى سياسة دولية ملزمة.
2-الحدود السياسية الدولية – الأساس القانوني:
وعد بلفور (1917) نصّ على إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين فقط. ومقررات سان ريمو (1920) والانتداب البريطاني (1922) كرّست هذا التحديد، وجعلت فلسطين وحدها مجال التطبيق. وعند قيام “إسرائيل” عام 1948، كان الاعتراف الدولي بحدود فلسطين الانتدابية، لا بحدود توراتية موسّعة.
3-التوظيف السياسي للحدود التوراتية:
التيارات الص.هيونية اليمينية استحضرت شعار “من النيل إلى الفرات” كرمز تعبوي، لكنه بقي في إطار الخطاب الأيديولوجي. بينما الغرب تعامل مع المشروع الص.هيوني باعتباره أداة استراتيجية في فلسطين، لا مشروع توسعي توراتي شامل. وبذلك، بقيت الحدود التوراتية أداة تعبئة داخلية، بينما الحدود السياسية الدولية شكّلت الإطار القانوني والعملي.
4-الدلالات الفكرية والسياسية:
الحدود التوراتية تعكس البعد الأسطوري–الديني للمشروع، وتُستخدم لتغذية النزعة القومية الدينية. والحدود السياسية الدولية تعكس البعد الاستعماري–القانوني، حيث وظّفت القوى الغربية المشروع الص.هيوني لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط. وإن هذا التداخل بين الدين والسياسة يوضح أن المشروع الص.هيوني نشأ في رحم الأيديولوجيا الدينية، لكنه تحقق عبر أدوات القانون الدولي.
وفي الخلاصة، يمكن القول إن المشروع التوراتي اليهودي قام على ازدواجية: حدود توراتية واسعة تُستخدم كأداة تعبئة أيديولوجية، وحدود سياسية دولية محدودة بفلسطين تُستخدم كإطار قانوني لتنفيذ المشروع. هذه الازدواجية تكشف طبيعة المشروع الص.هيوني بوصفه نتاجًا لتداخل الدين بالسياسة، والأسطورة بالقانون، والفكر الأيديولوجي بالاستراتيجية الاستعمارية.
ثالثاً: بين الحدود التوراتية والشرعية الدولية: موقف الغرب والعالم من مشروع “من الفرات إلى النيل”
منذ نشأة المشروع الص.هيوني، ظلّ الجدل قائمًا حول طبيعة “أرض إسرائيل” وحدودها. ففي حين تحدد النصوص التوراتية الأرض الموعودة من النيل إلى الفرات، اقتصرت الوثائق السياسية الدولية على فلسطين باعتبارها الموقع الاستراتيجي لإقامة الوطن القومي اليهودي. هذه الدراسة تسعى إلى تحليل الموقف الغربي والعالمي من هذه القضية، وتوثيق النتيجة عبر مصادر تاريخية وقانونية.
1-النصوص التوراتية والحدود الأيديولوجية:
أ-نصوص مثل سفر التكوين (15:18) والتثنية (11:24) تتحدث عن أرض واسعة تمتد من النيل إلى الفرات. وقد شكَّلت هذه النصوص الأساس الأيديولوجي لبعض التيارات الص.هيونية، خاصة اليمين الديني، لكنها بقيت في إطار الخطاب التعبوي ولم تتحول إلى سياسة دولية ملزمة.
بـ-الموقف الغربي الرسمي: وعد بلفور (1917): نصّ على إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين فقط، ولم يشر إلى حدود توراتية موسّعة. وقد كرَّست مقررات سان ريمو (1920): وعد بلفور ضمن ترتيبات الانتداب، محددة فلسطين كإطار جغرافي للمشروع. وإن مجلس عصبة الأمم الانتداب البريطاني (1922): صادق على الانتداب البريطاني على فلسطين، متضمناً نص وعد بلفور، دون أي ذكر لحدود من النيل إلى الفرات. وفي العام 1948، تم الاعتراف بالدولة ضمن حدود فلسطين الانتدابية، ولم يصدر أي اعتراف دولي بحدود توراتية موسّعة.
2-الموقف العالمي:
الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم (1947) وحتى اليوم، تعاملت مع “إسرائيل” ضمن حدود فلسطين التاريخية، ولم تعترف بأي مشروع توسعي توراتي. ولذلك يعتبر المجتمع الدولي أي توسع خارج هذه الحدود خرقًا للقانون الدولي، كما في حالة احتلال الضفة الغربية وغزة والجولان. وإنه بذلك، الإجماع الدولي يرفض فكرة “من الفرات إلى النيل”، ويقصر الشرعية على فلسطين.
3-التوظيف السياسي للحدود التوراتية:
شعار “من النيل إلى الفرات” استُخدم في الخطاب الدعائي لبعض التيارات الص.هيونية، لكنه لم يتحول إلى وثيقة رسمية. بينما الغرب تعامل مع المشروع الص.هيوني باعتباره أداة استراتيجية في فلسطين، لا مشروع توسعي توراتي شامل. وهذا يوضح أن الحدود التوراتية بقيت أداة أيديولوجية، بينما الحدود السياسية الدولية شكّلت الإطار القانوني والعملي.
وفي الخلاصة، لا يوافق الغرب ولا المجتمع الدولي على إعطاء “إسرائيل” الحق ببناء دولة من الفرات إلى النيل. كل الوثائق الرسمية (وعد بلفور، سان ريمو، الانتداب البريطاني، قرارات الأمم المتحدة) حصرت المشروع في فلسطين، ولم تتبنَّ الحدود التوراتية. هذه الأخيرة بقيت في إطار الخطاب الأيديولوجي والدعائي، بينما الشرعية الدولية اقتصرت على فلسطين وحدها.
رابعاً: التناقض بين المشروع التوراتي والدور الوظيفي “لإسرائيل”:
من المفيد دراسة مسألة التناقض البنيوي بين الطموح الأيديولوجي اليهودي لبناء دولة توراتية بحدود “من الفرات إلى النيل”، وبين الدور الذي أسندته القوى الغربية “لإسرائيل” باعتبارها قاعدة متقدمة لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. هذه الدراسة تلخص وتوضح أبعاد هذا التناقض.
1-المشروع التوراتي اليهودي: ينطلق من نصوص توراتية تحدد “الأرض الموعودة” بحدود واسعة تشمل مناطق من النيل إلى الفرات. وإن هذا المشروع يعكس طموحًا أيديولوجيًا–دينيًا يتجاوز الواقع السياسي والجغرافي. وهو بالنسبة للحركة الص.هيونية، يشكل أداة تعبئة قومية ودينية، لكنه يفتقر إلى الشرعية الدولية.
2-الدور الوظيفي “لإسرائيل” في الاستراتيجية الغربية: إن الغرب، منذ وعد بلفور (1917) والانتداب البريطاني (1922)، تعامل مع “إسرائيل” باعتبارها أداة استراتيجية لحماية مصالحه في المنطقة، لا مشروعًا توراتيًا شاملاً. ف”إسرائيل” بالنسبة للغرب هي “قاعدة استعمارية متقدمة” وظيفتها: ضمان تفتيت المنطقة العربية. وحماية طرق التجارة والنفط. ومنع قيام وحدة عربية أو قوة إقليمية مستقلة.
3-التناقض البنيوي: هناك تناقض جوهري بين المصالح اليهودية الأيديولوجية (التوسع وفق النصوص التوراتية) والمصالح الغربية العملية (الحفاظ على إسرائيل ضمن حدود وظيفية تخدم الاستعمار. وإن إي محاولة إسرائيلية لتوسيع حدودها نحو “من الفرات إلى النيل” ستصطدم بمصالح الغرب نفسه، الذي لا يريد كيانًا متمردًا على دوره الوظيفي. وبهذا المعنى، “إسرائيل” محكومة بالبقاء ضمن حدود سياسية محدودة، مهما رفعت شعارات توراتية موسّعة.
4-النتائج الفكرية والسياسية: إن المشروع التوراتي يبقى أداة أيديولوجية للتعبئة الداخلية والدينية. وأما الدور الوظيفي فهو الإطار العملي الذي يحدد حدود “إسرائيل” في السياسة الدولية. وإن هذا التناقض يفسر كثيرًا من الأزمات الداخلية والخارجية التي تواجه “إسرائيل”، ويكشف هشاشتها البنيوية.
وباختصار، إن “إسرائيل” ليست دولة طبيعية، بل مشروع استعماري هش محكوم بوظيفته في خدمة الغرب. وبينما يرفع الخطاب التوراتي شعار “من الفرات إلى النيل”، فإن الواقع السياسي الدولي يفرض عليها البقاء ضمن حدود فلسطين التاريخية، كأداة لحماية المصالح الغربية. هذا التناقض بين الطموح الأيديولوجي والدور الوظيفي يشكل أحد أبرز عوامل هشاشة المشروع الص.هيوني على المدى الطويل.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن “إسرائيل” تعيش بين خطاب توراتي يَعِد بحدود أسطورية واسعة، وبين واقع سياسي دولي يفرض عليها البقاء ضمن حدود وظيفية تخدم مصالح الغرب. هذا التناقض البنيوي يجعل من المشروع الص.هيوني كيانًا غير مكتمل، محكومًا بالهشاشة الداخلية والارتهان الخارجي. إن إدراك هذه الثنائية ضروري لفهم طبيعة “إسرائيل”: فهي ليست دولة ذات سيادة طبيعية، بل أداة استعمارية مؤقتة، محكومة بالتحولات الدولية وبقوة المقاومة التي تواجهها في المنطقة.
الهوامش
1-نص وعد بلفور، وزارة الخارجية البريطانية، 2 نوفمبر 1917.
2-مقررات مؤتمر سان ريمو، أبريل 1920، محفوظات عصبة الأمم.
3-صك الانتداب البريطاني على فلسطين، عصبة الأمم، 1922.
4-قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 (قرار التقسيم)، 29 نوفمبر 1947.
5- حسن خليل غريب: (الولايات المتحدة الأميركية على مفترق طرق بين الوطنية والتوراتية). https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid

Leave a Reply