الشمالية: الهدف
في مشهد غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في السودان، دوّى صوت المعلمين هذه المرة أعلى من ضجيج البنادق، بعدما أعلن معلمو المرحلة الثانوية بالولاية الشمالية دخولهم في إضراب مفتوح عن العمل، في خطوة وُصفت بأنها أخطر حراك مطلبي تشهده الولاية منذ سنوات، ليس فقط بسبب اتساع نطاقه، بل لأنه جاء عابراً للتنظيمات الحزبية والكيانات النقابية التقليدية، ومعبّراً عن حالة غضب اجتماعي مكتوم ظل يتراكم تحت رماد الحرب والانهيار الاقتصادي.
الإضراب، الذي بدأ شرارته الأولى في السادس والعشرين من أبريل الماضي، لم يعد مجرد احتجاج على المرتبات أو الاستحقاقات المالية، بل تحوّل إلى ما يشبه “الانتفاضة المهنية” في وجه واقع معيشي خانق، دفع المعلمين إلى كسر حاجز الخوف المرتبط بالحرب، ورفع شعار جديد مفاده أن “الجوع أخطر من الرصاص”.
التزام غير مسبوق
بحسب متابعات “الهدف”، فقد بلغت نسب الالتزام بالإضراب في عدد من محليات الولاية الشمالية مستويات قياسية قاربت الـ100%، وسط توقف شبه كامل للدراسة بالمرحلة الثانوية، في مشهد أظهر حجم التوافق غير المسبوق بين المعلمين، وأكد أن الأزمة تجاوزت حدود المناكفات السياسية أو المناورات النقابية.
ويرى مراقبون أن ما حدث في الشمالية يعكس تحولاً عميقاً في المزاج الاجتماعي للعاملين بقطاع التعليم، خاصة في ظل التدهور المستمر للأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة، مقابل ثبات الأجور وتآكل قيمتها الفعلية.
الناشط المجتمعي مصطفى عبد الله وصف الإضراب بأنه “رسالة قاسية ومباشرة” إلى السلطات، مؤكداً أن المعلمين تجاوزوا المخاوف المرتبطة بظروف الحرب والانهيار الأمني، بعدما أصبحوا عاجزين عن توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.
وقال في حديث لـ”الهدف” إن “الناس لم تعد تخاف من الحرب بقدر خوفها من الجوع والعجز والإهانة اليومية”، مضيفاً أن ما يجري في الشمالية قد يتحول إلى نموذج قابل للتكرار في ولايات أخرى إذا استمرت حالة التجاهل الرسمي.
وعي سياسي ونقابي
أكثر ما أثار الانتباه في هذا الحراك، بحسب متابعين، أنه يجيء في ظل وعي من الأجسام النقابية أو المهنية والقواعد نفسها بأهمية التحرك المطلبي وتوقيته في ظل الظروف الحالية التي تتجاوز المعقول، وإنتاج شكل جديد تمثل في “مفوضي المرحلة الثانوية”، وهو تطور اعتبره كثيرون مؤشراً على ولادة شكل جديد من العمل النقابي المستقل.
ويرى البعض أن المعلمين هذه المرة صنعوا أدواتهم التنظيمية بأنفسهم، ووحّدوا صفوفهم حول مطالب معيشية واضحة، بعيداً عن الاستقطابات التي ظلت تفتت الأجسام المهنية لسنوات طويلة، فضلاً عن وجود وعي حزبي ونقابي في الوقت ذاته بالحفاظ على تماسك الإضراب وصموده في ظل نظام قمعي وفي إطار الحرب بأن لا تتقدم المكاسب الحزبية على المطلبية.
وفي بيان اطلعت عليه “الهدف”، أعلن المكتب التنفيذي لمفوضي المرحلة الثانوية بالولاية الشمالية أن المعلمين صوتوا بأغلبية كاسحة لخيار الإضراب المفتوح، ابتداءً من الأحد 10 مايو 2026 وحتى الخميس 14 مايو، مع التلويح بخيارات تصعيدية إضافية حال استمرار تجاهل السلطات.
وأكد البيان أن وحدة المعلمين وتماسكهم هما “الضامن الحقيقي لانتزاع الحقوق”، داعياً كافة العاملين في قطاع التعليم إلى الالتزام الكامل بالإضراب وعدم الاستجابة لأي ضغوط أو محاولات لكسر الصف.
مطالب تتجاوز الأجور
ورغم أن المطلب المالي ظل في واجهة الأزمة، فإن الحراك الحالي حمل أبعاداً أوسع تتعلق بمستقبل العملية التعليمية نفسها، إذ طالب المعلمون بإصلاحات عاجلة توقف حالة الانهيار التي تضرب قطاع التعليم منذ سنوات.
وتضمنت المطالب الرئيسية، رفع الحد الأدنى للأجور إلى (216) ألف جنيه سوداني، صرف كافة المتأخرات والاستحقاقات المالية المتراكمة، تعديل العلاوات ذات القيمة الثابتة بما يتناسب مع معدلات التضخم والانهيار النقدي، وقف تدخل الجهات غير المختصة في الشأن التعليمي، واحترام استقلالية المؤسسات التعليمية وكرامة المعلم.
ويرى تربويون أن هذه المطالب تعكس في جوهرها محاولة لإنقاذ ما تبقى من القطاع التعليمي، أكثر من كونها مجرد مطالب فئوية أو تحسينات مالية.
تضامن واسع وتحذيرات
الإضراب وجد دعماً واضحاً من أجدسام مهنية متعددة في مقدمتهم تجمع المعلمين الديمقراطيين ولجنة المعلمين السودانيين وغيرهم من الأجسام، التي أصدرت بيانات أعلنت فيه تضامنها الكامل مع معلمي الشمالية، ووصفت مطالبهم بأنها “عادلة ومشروعة”، مؤكدة أن استمرار تجاهل أوضاع المعلمين سيدفع القطاع نحو مزيد من الانهيار.
كما بدأت تتسع دائرة التضامن المجتمعي، مع دعوات أطلقها ناشطون ولجان مجتمعية لأولياء الأمور من أجل مساندة المعلمين، باعتبار أن القضية تمس مستقبل الطلاب والتعليم نفسه.
ويقول ناشطون إن “المعلم الجائع لا يستطيع بناء جيل”، وإن استمرار إذلال المعلمين اقتصادياً سيقود إلى تدمير ما تبقى من المدارس الحكومية، في وقت أصبحت فيه آلاف الأسر عاجزة أصلاً عن تحمل تكاليف التعليم الخاص.
وفي ذات السياق، ينشط أعضاء وناشطو جبهة كفاح الطلبة في حملات توعية بالمجتمعات المحلية، لتوضيح طبيعة الإضراب وأهدافه، والتأكيد على أنه معركة كرامة تخص كل بيت سوداني، وليس العاملين في قطاع التعليم وحدهم.
من جانبه اعتبر الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، م.عادل خلف الله، أن الإضراب المطلبي الذي يخوضه معلمو المرحلة الثانوية بالولاية الشمالية يمثل “مفاجأة نضالية” حقيقية، واصفاً إياه بأنه “مفاجأة المعلمين لأنفسهم” وللسلطة القمعية القائمة في آنٍ واحد. وأضاف أن ذلك يؤكد، من جانب آخر، قدرة القوى الاجتماعية الحية على ابتكار صيغ تنظيمية مرنة ومبتكرة.
صمت حكومي
ورغم اتساع رقعة الإضراب وتوقف الدراسة فعلياً في عدد كبير من المدارس، لم تصدر وزارة التربية والتعليم أو وزارة المالية بالولاية الشمالية أي معالجات حقيقية حتى الآن، الأمر الذي زاد من حالة الاحتقان وسط المعلمين.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار التجاهل الرسمي إلى انفجار أكبر، خاصة في ظل حالة الاحتقان الشعبي الواسعة المرتبطة بتردي الخدمات وانهيار الاقتصاد وغياب أي أفق للحلول.
ويشير متابعون إلى أن السلطات الولائية تبدو عاجزة عن التعامل مع الأزمة، في ظل الانهيار الذي تعيشه مؤسسات الدولة المركزية منذ اندلاع الحرب، وتراجع الموارد، وتضخم الأعباء الناتجة عن موجات النزوح الكبيرة نحو الولاية الشمالية.
تآكل من الداخل
تأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه قطاع التعليم السوداني واحدة من أسوأ مراحله التاريخية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تحولت مئات المدارس إلى مراكز إيواء، وتوقفت الدراسة في ولايات واسعة، بينما اضطر آلاف المعلمين والطلاب إلى النزوح أو مغادرة البلاد.
ومع تحوّل الولاية الشمالية إلى ملاذ لآلاف الأسر النازحة، تضاعفت الضغوط على المدارس والمعلمين، دون أي زيادات حقيقية في الأجور أو تحسين للبنية التعليمية، الأمر الذي جعل المعلمين في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي وإنساني بالغ القسوة.
ويرى محللون أن إضراب معلمي الشمالية يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة السلطات على إدارة الأزمات الخدمية في زمن الحرب، كما يعكس صعود ما يمكن تسميته بـ”المقاومة المطلبية المدنية” كأحد أشكال التعبير الجماعي في مواجهة الانهيار الشامل.
ففي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، يبدو أن المعلمين قرروا أخيراً أن يرفعوا أصواتهم، لا دفاعاً عن الرواتب فقط، بل دفاعاً عن حق الأجيال القادمة في التعليم، وعن حقهم هم أنفسهم في حياة تليق بمن يحملون على أكتافهم مستقبل البلاد.
#إضراب_معلمي_الشمالية #السودان #الولاية_الشمالية #حقوق_المعلمين #التعليم_في_السودان #الهدف #لا_للحـرب #ثورة_الجياع #تفكيك_التمكين #جبهة_كفاح_الطلبة #نقابة_المعلمين #أخبار_السودان #العدالة_الاجتماعية #كرامة_المعلم #السودان_اليوم #مدنية_الدولة #النضال_المطلبي #الانهيار_الاقتصادي #حزب_البعث

Leave a Reply