مجدي علي
أثارَت انتباهي صورةٌ أرسلها إليّ الصديق عمر علي عثمان لفتاةٍ محمولةٍ على أكتاف شاب أيام ثورة ديسمبر، قصد ناشرُها، فيما يبدو، أن يُظهِرهما على هذه الشاكلة من سوء الأدب والانحدار الأخلاقي، طعنًا في شباب الثورة.. وبرفقة الصورة تظهر صورةٌ أخرى للفتاة نفسها، لكن هذه المرّة على أكتاف السيد علي كرتي!!، وكأنّ مُدبلجها أراد أن يردّ على الصورة الأولى بالطريقة ذاتها، وبالأداة ذاتها، وبالانحدار ذاته.. ولو جاز لي التعليق لقلت على لسانه: “براكم بتعرفوا تدبلجوا”!..
الواضح طبعًا أن الصورتين مركّبتان بحرفيةٍ جاهلة، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح شريكًا أساسيًا في كل معارك “الميديا” الدائرة بلا هوادة بين جماعة “بل بس” ومناوئيهم من الرافضين للحرب، أو المختلفين معهم في الرؤية والموقف..
غير أن القضية هنا أعمق من مجرد صورة مفبركة أو مادة ساخرة؛ فنحن أمام تحوّلٍ خطير في طبيعة الوعي العام، وفي طريقة صناعة الكراهية والتأثير على العقول. لقد تحوّلت الميديا الحديثة، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، من فضاءٍ مفتوح للمعرفة والتنوير، إلى ساحةٍ للفبركة، واغتيال السمعة والتشويه، وتزوير الوعي، وتحويل الإنسان إلى مادةٍ للاستهلاك النفسي والسياسي.. والأمر لم يعد يحتاج إلى كثير معرفة لتركيب صورة امرأة على ظهر رجل، أو حتى تحت رجليه..
في كل أنحاء الدنيا، تنشغل الناس والمؤسسات بتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي في الطب، والتعليم، والزراعة، والاقتصاد، وتحليل البيانات، وتطوير اللغات، وخدمة ذوي الإعاقة، وتحسين أنماط الحياة والعمل والإنتاج.. فالذكاء الاصطناعي اليوم يساعد الأطباء في اكتشاف السرطان مبكرًا، ويساعد المزارعين في التنبؤ بالمواسم والآفات، ويُستخدم في التعليم لتطوير المناهج وابتكار وسائل شرح أكثر فاعلية، كما دخل في مجالات الترجمة، والهندسة، والطاقة، وإدارة المدن الذكية، بل وحتى في إنقاذ الأرواح أثناء الكوارث والحروب.
أما عندنا، فكثيرًا ما تُستقبل هذه الثورة التقنية بعقلية الهجاء الشخصي والقبلي، والخصومة السياسية، والرغبة في التشهير والإيذاء. نستقبلها بذات الروح التي تُحوّل أي وسيلة معرفة إلى أداةٍ للسباب، وأي منبرٍ للحوار إلى حلبةٍ للشتائم.
إنها مأساة الجهل حين يمتلك أدواتٍ فائقة التطور دون أن يمتلك أخلاق استخدامها أو وعي حدودها.
“الميديا” لم تعد مجرد وسيلة لنقل الخبر؛ إنها اليوم أداةٌ خطيرة لصناعة الخبر وصياغة الرأي العام والإدراك الجمعي. صورةٌ واحدة مفبركة قد تشعل فتنة، أو تُسقط سمعة إنسان، أو تحرّض على الكراهية، أو تُعيد تشكيل موقفٍ سياسي لدى آلاف الناس.. والخطورة في الذكاء الاصطناعي أنه لا يكتفي بالكذب التقليدي، بل ينتج كذبًا شديد الإقناع، قادرًا على محاكاة الواقع إلى درجة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمصنوع.
لقد دخل العالم مرحلة “ما بعد الحقيقة”، حيث لم يعد السؤال: هل هذا حقيقي؟ بل: هل يبدو حقيقيًا؟ وهنا تكمن الكارثة. فحين تُصبح الصورة أداةً للتلاعب بالعواطف، ويصبح المونتاج وسيلةً لإعادة كتابة الوقائع، يصبح المجتمع كله مهدّدًا بفقدان ثقته في أي شيء، في الإعلام، وفي السياسة، وفي الناس، وحتى في ذاكرته الجماعية..
إن سوء استخدام الميديا لا يعود فقط إلى سوء النيّة، بل أيضًا إلى ضمور التربية، وضعف الوعي، وغياب الحس الأخلاقي في التعامل مع الفضاء الرقمي.. المشكلة الأعظم أن كثيرين يتداولون الصور والمقاطع دون أدنى تحقّق، بدافع الانفعال أو التشفّي أو التسلية وأحيانًا الغباء، غير مدركين أنهم يشاركون في صناعة بيئةٍ مسمومة، تُهدر القيم، وتُشوّه الذوق العام، وتُطبّع الناس مع الإساءة والكذب.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الانحدار يحدث بينما تعيش بلادنا حربًا مدمّرة، يُفترض أن تدفع الناس إلى قدرٍ أعلى من الحكمة والتماسك والتعاطف، والتعامل الواعي مع الوسائط، لا إلى المزيد من التحريض والتشويه وتصفية الحسابات الصغيرة.. فالحروب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالصورة، والشائعة، والمعلومة المضلّلة، والوعي المُستهدف بالتفكيك.
لهذا فإن الحاجة اليوم لم تعد تقنيةً فحسب، بل أخلاقية وثقافية وتربوية أيضًا. نحن بحاجة إلى تعليم الناس كيف يحسنون استخدام هذه التقنيات وتطويعها بصورة واعية، ثم كيف يقرأون نواتجها بعينٍ ناقدة، وكيف يشكّون في المحتوى المثير، ويتحقّقون قبل النشر، ويميّزون بين حرّية التعبير وفوضى الإساءة. كما نحن بحاجة إلى خطابٍ إعلامي أكثر مسؤولية، وإلى نخبٍ تُدرك أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا فعل بناء، كما يمكن أن تتحولا إلى معول هدم.
“الميديا” في جوهرها ليست لعنة، كما أن الذكاء الاصطناعي واحدٌ من أعظم منجزات العقل البشري الحديث؛ فهو، في حقيقته، ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، بل مرآةٌ تعكس طبيعة العقل الذي يستخدمه. فإن حمله الوعي تحوّل إلى أداةٍ للمعرفة والنهضة، وإن استولى عليه الجهل صار سلاحًا للابتذال والتشويه والخراب.

Leave a Reply