عادل أحمد محمد
#ملف_الهدف_الثقافي
أولًا: صرخة في وجه المركزية الغربية
لم تكن قصيدة (آسيا وإفريقيا) للشاعر السوداني تاج السر الحسن مجرّد لوحة شعرية تحتفي بجغرافيا القارتين، بل جاءت إعلانًا فكريًا وسياسيًا يرفض هيمنة الغرب على مصير الشعوب المستعمَرة. في زمن كانت فيه القوى الاستعمارية تعمل على تفتيت الروابط بين شعوب الجنوب، وإبقاء آسيا وإفريقيا في موقع التابع، أكدت القصيدة أن هذه الشعوب ليست هامشًا في التاريخ، بل هي القلب النابض للعالم بما تملكه من حضارات وموارد وطاقة بشرية هائلة.
الثورية في النص لا تتجلى فقط في اللغة الحماسية، وإنما في إعادة صياغة مفهوم الهويّة الجماعية؛ فالشاعر يرفض صورة الإنسان الإفريقي والآسيوي بوصفه تابعًا ينتظر الخلاص من الخارج، ويطرح بديلًا يقوم على الاعتزاز بالذات الحضارية والاستقلال السياسي والثقافي. هكذا تحوّلت الجغرافيا في القصيدة إلى مساحة مقاومة، وأصبح الانتماء للقارتين رمزًا للتحرّر والكفاح المشترك ضد الاستغلال والاستعمار.
ثانيًا: روح باندونج في حنجرة الكابلي
جاءت القصيدة في لحظة تاريخية ملتهبة تزامنت مع صعود حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث، ومع الزخم الذي صنعه مؤتمر باندونج، حين اجتمعت قيادات آسيوية وإفريقية لتعلن رفضها للهيمنة الدولية وسياسات الاستقطاب. كانت تلك المرحلة تشهد ولادة حلم عالمي جديد يقوم على التضامن بين الشعوب المستضعفة، وهو الحلم الذي التقطه تاج السر الحسن بوعي شعري عميق.
وعندما غنّاها الفنان السوداني عبد الكريم الكابلي، خرجت القصيدة من حدود الكتب والندوات إلى فضاء الجماهير. تحوّلت الكلمات إلى نشيد تتناقله الألسن، وأصبحت الأغنية جزءًا من الوعي الشعبي السوداني والعربي والإفريقي. لم يعد الشعر مجرد تعبير جمالي، بل صار أداة تعبئة وتحريض وبعث للأمل.
كانت عبارات مثل: “مصر يا أخت بلادي يا شقيقة” و”يا روابي آسيا” تعبّر عن وحدة المصير بين الشعوب، وعن الإيمان بأن حرّية الخرطوم مرتبطة بحرّية القاهرة ودلهي وبكين وهانوي. لقد تجاوز النص الحدود السياسية الضيقة، ليؤسس لفكرة التضامن الإنساني بين الشعوب التي تواجه القهر ذاته وتحلم بالمستقبل نفسه.
ثالثًا: المثقّف الملتزم والقلم الذي يقاوم
يجسد تاج السر الحسن صورة المثقّف الملتزم بقضايا شعبه وأمته؛ فهو لا يكتب من برج عاجي بعيد عن الناس، بل ينحاز إلى البسطاء والمقهورين، ويجعل من القصيدة صوتًا للمقاومة. في شعره تتحوّل الكلمة إلى موقف، ويتحوّل الإيقاع إلى دعوة للفعل والتغيير.
لم يكن الشاعر معنيًا بالبكاء على الهزائم أو التغنّي بالماضي وحده، بل كان يسعى إلى صناعة وعي جديد يؤمن بأن التحرّر لا يتحقّق إلا عبر التضامن بين الشعوب المستعمَرة. ولهذا ارتبطت قصائده بقضايا الإنسان في كل مكان؛ من الفلاح في الهند إلى العامل في فيتنام، ومن الثائر في الجزائر إلى المناضل في جنوب إفريقيا.
هذا البعد الإنساني جعل القصيدة تتجاوز حدود السودان، لتصبح جزءًا من الأدب التحرّري العالمي الذي يرى أن معركة العدالة واحدة مهما اختلفت الجغرافيا واللغات.
رابعًا: الثورة المستمرة ومعركة الموارد والسيادة
ورغم مرور عقود على كتابة القصيدة، فإنها ما تزال تحتفظ براهنيتها السياسية والفكرية؛ فالصراع على الموارد والثروات الوطنية لم يتوقف، كما أن أشكال الهيمنة الخارجية تغيّرت لكنها لم تختفِ. وما تزال دول الجنوب تواجه تحديات التبعية الاقتصادية والتدخّلات السياسية ومحاولات السيطرة على القرار الوطني.
من هنا تبدو القصيدة وكأنّها رسالة عابرة للأجيال، تذكّر الشعوب بأن استقلالها الحقيقي لا يكتمل إلا بالسيادة على مواردها وإرادتها السياسية، كما تؤكّد أن التعاون بين الدول الآسيوية والإفريقية ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة تاريخية لحماية المصالح المشتركة وبناء مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا.
لقد استطاع تاج السر الحسن أن يحوّل الشعر إلى وثيقة مقاومة، وأن يجعل من الفن وسيلة لاستنهاض الشعوب وإحياء الأمل فيها. ولذلك بقيت قصيدة (آسيا وإفريقيا) حيّة في الوجدان، لأنها لم تكن مجرد كلمات جميلة، بل كانت مشروعًا للتحرّر ورؤية لعالم أكثر إنصافًا.
رحل الشاعر، لكن صوته ما يزال يتردّد في ذاكرة الأجيال، مؤكّدًا أن الشعوب إذا امتلكت وعيها ووحدتها، فلن تستطيع أي قوة أن تمنعها من السير نحو الحرّية والكرامة وصناعة المستقبل.

Leave a Reply