خضر بشير.. صوتٌ متصوّف يمشي على سجادة الروح

صحيفة الهدف

عماد عبد الله
#ملف_الهدف_الثقافي
هو “خضر بشير أحمد الخضر رحمة الله أحمد الجعلي، المولود في شمبات، الخرطوم بحري، سنة ١٩١٤م، وترجع أصول عايلتو لمدينة المتمّة.
دخلو والدو الخلوة كعادة أهل البلد أيامها، وفيها حفظ القرآن ورتلو وأجاد، بعدها دخل التعليم الأولي النظامي في (مدرسة الخرطوم شرق) الكان مقرّها وسط الخرطوم “عمارة بنك البركة حاليًا”، والفيها ظهرت موهبتو المختلفة في تلاوتو للقرآن بتنغيم وتجويد وصوت بديع، صوتو كان حلو وقوي وعالي لدرجة العابرين وناس سوق الخرطوم كانوا قادرين يسمعوه “فيما بعد دي كانت واحدة من أميز قدراتو: الغناء بدون الحوجة لمايكروفون بسبب قوة صوتو”، وده خلاهو نجم أنشطة الجمعيات الأدبية في المدارس من خلال إلقاءو للقصائد الشعرية وترديدو للأغنيات المشهورة وكتها، وتلحين الأناشيد المقرّرة علي الطلبة.. شويتين وبدأ في تقليد كبار الفنانين في زمنو، خاصة الفنان الأول وكتها، الحاج محمد أحمد سرور.
في سنة ١٩٣٠م سافر مولانا خضر لمدينة ود مدني وهناك أصبح فيها مادح، وفيها بدا مشوار تصوّفو والزهد والتعفّف اللازمو طول عمرو، يمكن النفس الصوفي في قصيدة (برضي ليك المولى الموالي) لـ(العبّادي) هو الخلاهو يتعلّق بالغنوة دي، وبيها يدخل الإذاعة السودانية للمرة الأولى ويسجلها، ومنها بدا صيتو في الظهور، الكلام ده كان سنة ١٩٥٠م.
شوية شوية وبدت الناس تنتبه لهذا الزول صاحب النفس الصوفي المختلف، والصادف هوي في نفوسهم بسبب من النزعة الصوفية في تركيبة أهل البلد وكتها. فطُلِب منه إقامة حفل جماهيري في المسرح القومي، وقد كان.. غنى لأول مرة على المسرح وواجه الجمهور في شهر حداشر سنة ١٩٥٧م.
بعد بداية البث التلفزيوني أوايل الستينيات، كان مولانا من أوائل الفنانين القامو بتسجيل أغانيهم فيهو، وضجّت البرامج المنوعة والسهرات الجماهيرية بغناء مولانا، واصبح نجمها.. من وكتها باشر بالمشاركة في الرحلات الفنية لأقاليم السودان بسبب الطلب الكبير على أغنياتو وطريقة أداؤه من الناس في كل بقاع البلد. كان أداؤه متفرد..
مولانا وهو بيغني بيكون أقرب لأسلوب المديح والجذب الصوفي البينتاب المادحين المستغرقين في عوالمهم النورانية الخاصة، فتلقاهو بيغمض وينفعل بكل تفاصيل جسدو وملامح وشو وتعبيراتو، ويتحرّك مع الإيقاع ويتناغم معاهو، يسرح ويندغم مع الفرقة الموسيقية بكلياتو، مرات حد إنه يخش وسط الفرقة ويغوص وسط الأنغام وتلاوين المزيكة للدرجة البتخليهو يبعد عن المايكروفون بلا أدنى اهتمام، وكأنه بيغني لروحو هو وللمتعة الصوفية الصرفة البينغمس فيها.
بدت الجاليات السودانية المغتربة خارج السودان في دعوتو ليها.. فسافر وعمل حفلات جماهيرية ناجحة في عدد من الدول العربية. وبمرور الزمن أصبح مولانا خضر مدرسة غنائية متفرّدة ليها مريدين وتُبَّع ومقلدين.. ويمكن من بدري حس مولانا بالفرادة الفي صوتو وأداؤه دي، والحرّية الكاملة البلقاها في تصرّفو التطريبي جوّه اللحن زي ماهو داير، وده ما كان ينفع يشاركو مع زول تاني ممكن يعيقو عن الغرق في الحالة الصوفية الجاذبة البتنتاب روحو وهو متسلطن في بحور ما بيعرفها غيرو، فانفصل وكتها فنيًا عن صديقه المغنّي الأمين حميدة الكان بيغني معاهو ثنائي في بداية تعلّقو بالغنا.
مولانا براهو لحّن من أغانيهو فوق للخمسة وأربعين أغنية، سجل منها للإذاعة السودانية ٣٩ غنوة، وللتلفزيون السوداني ما يزيد عن ٢٢. كان لما يلاقي لحن عجبو واستمخ ليهو؛ ما بيستني الشعراء يلاقو ليهو فيهو كلام.. مولانا بيألف شعر يناسب اللحن الساكنو ده، زي غنوة “يا قسيم الريد تعال لي” مثلًا.
ورغم كده، غنى مولانا لعدد من الشعراء وكتها:
محمد بشير عتيق: الأوصفوك/ كنت معاهو/ لغة العيون/ من يوم حبي فارقني/ عالي في آدابك/ عرّج بي وميل.
ود الرضي: الناحر فؤادي وموقد جوفي حر.
اللبناني ميشيل شلهوب: لملم رموشك
إبراهيم العبّادي: برضي ليك المولى الموالى.
محمود أبو بكر: إيه يامولاي.
سيد عبد العزيز: ما أسعدك الليلة.
عبيد عبد الرحمن: منارة.
مصطفى بطران: قوم بينا نلاقي مناظر.
قرشي محمد حسن: في شاطئ النيل الخصيب.
حسين محمد حسن: خدعوك.
حبيب حسن جار النبي: ساهر طرفي.
وهكذا، ظل خضر بشير طوال حياتو المتعففة الزاهدة والمنتمية لعوالم الصوفية أكتر من إنتماءها لأي شي تاني.
إتوفى مولانا خضر بشير في سنة ٢٠٠٢م. له الرحمة.
ــــــــ
لَوْ تَحُولْ دُونْ قَصْدِي العَوَالِي
دِيْمَة اغُوصْ فِي بُحُورِي وَأوَالِي
لِيكَ إخْرَاجْ دُرَرِي الغَوَالِي
وَانْشِي شِعْرِي وزَجْلِي ومَوَالِي
أشْدُو واحْدِي واهْدِي الحَوَالِي
فِي ثَنَاكْ وقَلِيلْ يَا جَمِيلْ

يَا سَمَا الغَايَاتْ يَا مَلَاكَا
مِينْ تَطَاوَلْ لِي نِيلْ عُلَاكَا
عِشْتَ دُمْ يَا حُلْيَة حُلاكا
يَا حَيَاةْ أنْفُسْنَا وهَلَاكَا
لَو صَلِيتْو النَّارْ مَا سَلَاكا
قَلْبِي رَاضِي وهَاكَ الدّلِيلْ
إنُّو صَابِرْ وحَامِلْ بَلَاكَا
مَرّة إرْحَم يَكْفِي القَلِيلْ

جَدَّ وَجْدِي وآنْ اِنْفِقَادِي
ودِيمَة هَايِمْ رَايِحْ وغَادِي
بَحْرِي دَمْعِي وفِي النَّار رُقَادِي
يِطْفِي جَمْرِي المَاءْ فِي اِعْتِقَادِي
مَالُو زَادَا وزَادْ فِي اِنْتِقَادِي
عَاذْلِي فِيْكَ وعُدِمَ الخَلِيلْ
خَلِّيْ نُصْحَكْ يَا فَاضِي غَادِي
عَنْ سِرَاطْ الحُبْ مَا بَمِيلْ

تَحْكِي كَثُر النُّوحْ العَيَالَكْ
دِيمَة تَطْرَا أيّامْ زَاهِيَالَكْ
مَرّة تَشْدُو تْقُولْ الحَيَالَكْ
النَّسِيمْ اليَتّم عِيَالَكْ
قَاسِي فَاتِكْ وهَاتِكْ ويَالَكْ
مَنْ مُرَائِي وصِدْقَكْ قَلِيلْ
إنْتَ عَاشِقْ بَالجَدّ خَيَالَكْ
ومِنُّو سَاكِنْ ظَلًّا ظَلِيلْ

يَا مَنَايَ ظْرُوفِي العَصِيبَة
حَايْلَة دُونَكْ ومَالِيَّ صِيْبَة
قَالِّي هَاكَ أقْوَالًا مُصِيْبَة
كُلُّ نَفْسًا تَوْجِدْ نَصِيبَا
واليَصِيْبَا المَولَى بْيِصِيْبَا
بَالقَدَرْ كَمْ عَزَّ الذَّلِيلْ
كَمْ رُبُوعًا أَجْدَبْ خَصِيْبَا
ومَافِي فَجْرًا مَا عَقَبُو لِيلْ

المَكَارِمْ خُلُقِي الجَبيلَة
والمَحَامِدْ سَالِكْ سَبِيْلَا
ودِيمَةْ شَارِبْ مِنْ سَلْسَبِيلَا
مِنْ أَخَايِر أَخْيَرْ قَبِيْلَة
ومِنْ أَعَالِي العَايْلَة النَّبِيلَة
كُلْ صَمِيمًا لِصَمِيْم بَدِيلْ
واللَّيَالِي حِيْنَا وقِبِيلَا
للجَلَلْ مَعْدُودْ الجَلِيلْ

بَرْضِي ليكَ المَولَى المُوَالي
وفيكَ لازْمَ الصَّبْرْ الجَميلْ

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.