الكيزان باختصار

صحيفة الهدف

أيُّ شخصٍ يرى كارثة يقول: يا لطيف… أمّا الكيزان، فعند المصيبة يقولون: يا رزّاق

في بلادٍ تُقاس فيها الأخلاق بميزانٍ مختل، يصبح الفرق بين “يا لطيف” و“يا رزّاق” ليس مجرّد تعبيرٍ لغوي، بل خطًّا فاصلاً بين إنسانٍ يرتجف قلبه أمام الألم، وآخرَ تلمع عيناه حين يشمّ رائحة الغنيمة.

حين تقع الكارثة، يتجمّد الزمن للحظة. الناس تهرع، القلوب تنقبض، والدعوات تتصاعد إلى السماء: “يا لطيف، سلّم”. هذا هو ردّ الفعل الطبيعي، الفطري، الذي لم تُلوّثه حسابات الربح والخسارة. لكن، في زاويةٍ أخرى من المشهد، هناك من لا يرى الدخان، بل يرى ما خلفه، لا يسمع صراخ المنكوبين، بل يحسب كم يمكن أن يُدرّ هذا الألم من مال.

هنا تبدأ الحكاية.

الكيزان لا يتعاملون مع الكارثة كحدثٍ طارئ، بل كفرصةٍ استثمارية. بالنسبة لهم، الفاجعة ليست نهاية شيء، بل بداية صفقة. الخراب ليس مأساة، بل سوق مفتوح. كل بيتٍ تهدّم، هو بندٌ في فاتورة إعادة الإعمار. كل أزمةٍ تضرب، هي نافذة لتمرير عقد، أو تضخيم ميزانية، أو خلق مبرّرٍ جديدٍ للنهب.

هم لا ينتظرون المصائب، بل يتكيّفون معها بسرعةٍ مذهلة، كأنهم جزءٌ من نظامها البيئي. بل أحيانًا، يبدو المشهد وكأن الكارثة نفسها لم تكتمل إلا بوجودهم، يقتاتون عليها، ويحوّلونها من ألمٍ عابر إلى مصدر دخلٍ دائم.

المؤلم ليس فقط في فعلهم، بل في برودهم. لا ارتباك، لا حرج، لا حتى محاولة تبرير مقنعة. يفعلون ذلك بثقة من تعوّد أن يفلت، وبهدوء من يعرف أن القانون مجرّد حبرٍ على ورق. كأن الضمير، في قاموسهم، كلمة قديمة سقطت من الاستعمال.

وما بين “يا لطيف” و“يا رزّاق”، تضيع الحكاية الأكبر: حكاية وطنٍ يُنهَب باسم الطوارئ، وشعبٍ يُستنزف باسم الحلول. يصبح الألم موردًا، والدمعة أداة، والمحنة فرصة ذهبية لمن أتقنوا فنّ الاتجار بها.

لهذا، لم تعد المشكلة في الكارثة نفسها، بل في أولئك الذين يحوّلونها إلى مشروع. لأن الكارثة، مهما كانت قاسية، تبقى حدثًا عابرًا… أما استثمارها، فهو الكارثة المستمرة.

وهكذا، كلما قال الناس “يا لطيف”، ارتفع في الخلف صوتٌ آخر، أكثر برودة، وأكثر حسابًا: “يا رزّاق”… كأنه إعلان غير مكتوب، أن المأساة هنا لا تُنهي شيئًا، بل تفتح بابًا جديدًا للربح.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.