مسيَّرة الكاهلي .. ماذا بعد فشل محاولة اغتيال “كيكل”؟

صحيفة الهدف

تقرير: راينو
في خطوة مفاجئة ومباغتة ومربكة للحسابات، قصفت طائرة مسيّرة قرية الكاهلي شرق ولاية الجزيرة مستهدفة منزل قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، لتسفر الهجمة عن مقتل شقيقه عزام كيكل وعدد من أفراد أسرته، إلى جانب ضباط يتبعون لقوات درع السودان. وغض النظر عن الجهة المنفذة، إلا أن الهجوم فتح باب الأسئلة حيال انتقال الحرب من ميدان العمليات إلى بيوت قيادات الحرب؟
*من وراء الهجوم؟*
للوهلة الأولى بل وتناقلت وكالات الانباء أن هجوم المسيرة من صنع الدعم السريع الذي استعصم بالصمت ولم يعلق على الحادثة. ويبرر المراقبون اتهامهم للدعم السريع بحكم توفر الامكانيات فضلا عن الدافع للانتقام من كيكل في أعقاب انشقاقه وانضمامه إلى صفوف الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان، وهو تطور تسبب بحسب البعض في العديد من الهجمات العنيفة على ولاية الجزيرة.
بيد أن ثمة فرضيات أخرى اعقبت الحادث ترى أن العملية ليست بالضرورة من فعل الدعم السريع، بل ثمة جهات أخرى من مصلحتها قتل أبو عاقلة واخراجه من المشهد السياسي، وفي مقدمة تلك الجهات الجيش نفسه أو حلفاءه من الإسلاميين أو الحركات المسلحة، رداً على هجوم وتهديدات سابقة لكيكل في أبريل من العام الماضي، استهدف فيها الجيش ووزير المالية، ملوحا بكشف اسرار حول مشروع الجزيرة تتسبب في اختفاء الكثير من القيادات العسكرية من المشهد، خصوصا وانه قرن تهديداته حينها باتهامات بالعمالة ولخيانة والبيع.
*اختراق بشري:*
من جانبه اعتبر مصدر عسكري سابق في حديثه أن هذا الواقع يفتح الباب أمام فرضيتين أساسيتين في تفسير ما جرى، وقال:”الأولى تتعلق بإمكانية وجود اختراق بشري داخل الدوائر القريبة من كيكل، سواء عبر تسريب مباشر أو من خلال عناصر محيطة تعمل في بيئة اقتصادية فقيرة ، فتصبح المعلومة ذات قيمة و قابلة للبيع، فضلا عما تتسبب فيه الأجهزة الشخصية كالهواتف الذكية التي تتيح الرصد والاستهداف”.
واعتبر المصدر العسكري أن ما يحدث مؤشر على تحوّل أعمق في بنية الصراع ، معنى الانتقال التدريجي للحرب من خطوط النار المعتادة والتقليدية إلى فضاء أكثر تعقيدًا، حيث تصبح المعلومة الدقيقة في توقيتها ومصدرها، هي العامل الحاسم في تحديد نتائج المواجهة.
وقال: “العملية نفذت في بيئة غير نشطة عسكريًا، وفي توقيت يُرجح وجود الهدف وهو كيكل داخل منزل محدد، وهو ما يشير إلى توافر معلومات بدرجة عالية من الدقة، بالتالي هذا النمط من العمليات، يعتمد على دمج بين الرصد البشري والتحليل التقني، حيث لا تُنفذ الضربات الدقيقة إلا بعد تقاطع مصادر متعددة للمعلومة”.
وأضاف: “البعد الأكثر دلالة في هذه العملية لا يكمن فقط في طريقة تنفيذها، بل في طبيعة الهدف نفسه، فاستهداف منزل قائد ميداني يمثل نقلة نوعية في منطق الحرب، حيث يتم نقل الصراع من المجال العسكري المباشر إلى الفضاء الشخصي. هذا التحول، وفق علم النفس العسكري يدخل ضمن ما يُعرف بـ”حرب الضغط النفسي على القيادة”، حيث لا يكون الهدف فقط تحييد الخصم، بل زعزعة إحساسه بالأمان باستهداف المواقع وأنماط الحركة والعلاقات الاجتماعية وهي عناصر كانت حتى وقت قريب خارج نطاق الاستهداف المباشر “.
*ما بعد الضربة:*
وغض النظر عن من يقف وراء الهجوم، فإن التحليلات تذهب إلى أن الخطورة الحقيقية تبدأ بعد العملية، خاصة التداعيات الداخلية، إذ تبدأ الشكوك في التسلل إلى داخل الدوائر الضيقة، ويصبح السؤال عن مصدر التسريب حاضرًا في كل تفصيل، وهو ما يؤدي إلى تآكل الثقة داخل البنية العسكرية.
من جانبه يرى المحلل السياسي محمد إبراهيم في حديثه أنه لا يمكن قراءة تحركات أبو عاقلة كيكل اليوم أو غداً بمعزل عن حاضنته الاجتماعية، وتحديداً قبيلة الشكرية فقوات درع السودان لم تكن يوماً مجرد فصيل عسكري، بل هي امتداد مسلح لكرامة قبيلة ترى في كيكل رمزاً لسطوتها وطموحها السياسي في قلب السودان.
وتابع:”هذا الارتباط العضوي يجعل من استهداف عائلته، ومقتل شقيقه (عزام) طعنة في وجه قبيلة الشكرية، مما يوقظ مارد الثأر القبلي الذي لا يُغسل الدم فيه إلا بالدم وفق ثقافة الدراعة، وربما تتحول هذه القوات من وحدات منظمة إلى كتائب فزع قبائلية تتحرك بدافع الغريزة والحمية، مما يخرجها تماماً عن سيطرة أي غرفة عمليات مركزية ويضع مستقبل منطقة الجزيرة في مهب الريح”.
وأبان إبراهيم أنه على المستوى القيادي، ستتشابك الخلافات مع قادة مثل المصباح طلحة لتفاقم آلام كيكل النفسية وتخبطه في اتخاذ القرارات؛ فبينما يواجه أكثر من 20 محاولة اغتيال سابقة، يجد نفسه محاصراً بشعور متزايد بعدم الأمان وعزلة خانقة ناتجة عن فقدان الثقة بالحلفاء. واضاف: “هذا التوتر يدفعه نحو قرارات غير مدروسة، حيث يتشتت ذهنه بين استراتيجيات الحرب ومطالب الثأر الشخصي، مما يضعف نفوذه السياسي وسط اتهامات بطموحات ينفيها، ويُعقد أي تسويات مستقبلية مع حلفاء الجيش”.
وشدد المحلل السياسي على أن المشهد سيتخذ بعداً أكثر تعقيداً عند النظر إلى علاقة كيكل بالقوات المشتركة؛ وقال:”كيكل يرى في تمدد نفوذها داخل جغرافيا الجزيرة والبطانة تهديداً مباشراً لمجال نفوذه الحيوي، وتعدياً على سيادة قواته في مناطق يعتبرها حقاً حصرياً لمكونه الاجتماعي. إن خشية كيكل من أن تكون هذه القوات هي البديل الجاهز لاستبداله، تقابلها شكوك تلك القوات في طموحاته القبلية العابرة للمؤسسية، مما يجعل أي تنسيق ميداني بينهما عرضة للانهيار عند أول احتكاك لمصالح الأرض والهوية”.
وتوقع محمد إبراهيم أنه في نهاية المطاف، قد تدفع حالة التخبط هذه بكيكل لتوجيه آلته العسكرية نحو القبائل الأخرى في الجزيرة التي تُعتبر منافساً تاريخياً أو يُشتبه في ولائها لخصومه. هذا الهجوم المتوقع لن يكون مجرد عملية عسكرية للسيطرة، بل محاولة عاطفية طائشة لإعادة ترسيم حدود النفوذ القبلي بالقوة، مما يرسم مشهداً من الفوضى التي تتشعب فيها النزاعات وتتداخل، محولةً ساحة المعركة من صراع سياسي إلى حالة من التوتر التي تعصف بمجريات العمليات الميدانية وتضرب النسيج الاجتماعي في مقتل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.