بين تعثر البدائل وإعادة رسم المشهد من يملك مفتاح التسوية في السودان؟

صحيفة الهدف

في السياسةحين تبدأ العواصم المؤثرة في مراجعة أدواتها فذلك مؤشر واضح على أن الحسابات الأولى لم تعد صالحة وأن الوقائع على الأرض فرضت معادلة جديدة وما يجري في ملف الأزمة السودانية خلال الأسابيع الأخيرة يكشف بوضوح أن الرؤية الإقليمية التي حاولت بناء مسار تفاوضي عبر حواضن محدودة التأثير وصلت إلى نقطة انسداد لا بسبب نقص الوساطة وإنما نتيجة خطأ في تقدير الوزن الحقيقي للقوى الفاعلة داخل المجال السياسي السوداني منذ اندلاع الح.رب ظل البحث جاريًا عن منصة مدنية يمكن أن تشكل سندًا لمسار إنهاء الق.تال وتوفر غطاءً سياسيًا لأي تسوية محتملة غير أن التجربة أثبتت أن صناعة واجهات سياسية من خارج ميزان التأثير الفعلي لا تنتج مركز ثقل بل تخلق أجسامًا رخوة سرعان ما تتآكل تحت ضغط التناقضات وتفشل في اكتساب الاعتراف الشعبي أو الإقليمي أو الدولي
الدليل على ذلك أن كثيرًا من المبادرات التي روج لها باعتبارها مخرجًا للأزمة لم تصمد أمام أول اختبار جدي إذ اصطدمت بخلافات البنية الداخلية وتعارض المصالح وغياب المشروع الجامع فضلًا عن ارتباط بعض مكوناتها بحسابات الح.رب أكثر من ارتباطها
باستحقاقات السلام وعندما تفقد أي منصة قدرتها على تقديم تصور متماسك للحل فإنها تتحول من أداة للمعالجة إلى جزء من الأزمة نفسها التحركات الدبلوماسية الأخيرة تحمل دلالة مهمة هناك إدراك متنامٍ بأن تجاهل القوى المدنية ذات الموقف الواضح من إيقاف الق.تال لم يعد ممكنًا فهذه القوى رغم ما يحيط بها من
تحديات استطاعت أن ترسخ حضورها في الخطاب العام بوصفها التعبير الأكثر اتساقًا مع المزاج الشعبي المنهك من الح.رب والأكثر وضوحًا في طرح مقاربة تقوم على الحل السياسي لا الحسم العسكري وهذه ليست مسألة انطباع بل تؤكدها بيانات المواقف الدولية ونقاشات المنابر الأوروبية واتساع مساحة الحديث عن ضرورة مسار مدني مستقل عن طرفي المواجهةفي المقابل فإن الخطاب المتشدد الصادر من قيادة المؤسسة العسكرية خلال الفترة الأخيرة لا يمكن فصله عن تقلص الخيارات السياسية المتاحة أمامها فعندما تضيق منافذ المناورة المدنية يصبح التصعيد اللفظي امتدادًا طبيعيًا لحالة الانكفاء نحو منطق القوة وهذه قاعدة معروفة في إدارة النزاعات كلما تراجعت فرص الكسب السياسي ارتفع منسوب اللغة الخشنة ليس تعبيرًا عن فائض قوة وإنما أحيانًا كتعويض عن خسارة في ساحة الشرعية
الشواهد كثيرة فالح.روب الأهلية في أكثر من بلد أثبتت أن الرهان على السلاح وحده يحقق تقدمًا ميدانيًا مؤقتًا لكنه يعجز عن إنتاج استقرار دائم أو اعتراف سياسي شامل
وفي السودان نفسه منذ الاستقلال لم تُحسم الأزمات الوطنية الكبرى بالبندقية بل عبر التسويات مهما كانت هشة أو ناقصة وهذا يعني أن أي تصور يستبعد الفاعل المدني الحقيقي أو يحاول الالتفاف عليه عبر قنوات انتقائية سيعيد إنتاج الفشل بصيغة جديدة هنا تبرز مسألة جوهرية القوى المدنية التي ترفع شعار وقف الح.رب تواجه اختبارًا بالغ الحساسية فالتعامل معها بوصفها أفرادًا لا إطارًا سياسيًا جامعًا ليس تفصيلًا بروتوكوليًا بل محاولة لإعادة تشكيلها بما يناسب أجندات خارجية وتقليص قدرتها على التفاوض من موقع الكتلة إلى موقع الشخصيات المتفرقة والتاريخ السياسي السوداني مليء بأمثلة أضعفت فيها الاختراقات الفردية المواقف الجماعية فخسرت القوى المدنية تماسكها ثم خسرت تأثيرها
المرحلة الراهنة تفرض قراءة أكثر واقعية
لا يمكن بناء تسوية مستقرة عبر قوى منقسمة ولا عبر واجهات فاقدة للسند الشعبي ولا عبر مقاربات تستثني أصواتًا رئيسية في المجال العام الطريق الأقصر نحو إنهاء المأساة يمر عبر منصة مدنية واسعة مستقلة القرار واضحة الرؤية وغير خاضعة لابتزاز السلاح أو هندسة العواصم ما يحدث الآن ليس مجرد تعديل تكتيكي في الوساطة بل اعتراف ضمني بأن تقديرات سابقة أخطأت فهم المشهد السوداني ومن يقرأ التحولات جيدًا يدرك أن السؤال لم يعد من يُدعى إلى الطاولة؟
بل أصبح من يملك الشرعية السياسية والأخلاقية لتمثيل مطلب السودانيين في السلام والانتقال المدني؟
وهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل السودان القادم لا بيانات التصعيد ولا المناورات العابرةولا التحالفات المصنوعة على عجل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.