وداعًا أيها الطائر الجريح..

صحيفة الهدف

عباس الشاطر

على مسافة من صخب السياسة، ذاك الضجيج العقيم الذي أورثنا صداعًا لا يزول وغربة في الوطن وضياعًا للإنسان في متاهات الشعارات، نلوذ اليوم بظل الكلمة وعبق الحرف الذي لا يخون، نستذكر بمرارة الذكرى الحادية عشرة لرحيل شاعر الإنسانية وصوت إفريقيا العميق: محمد الفيتوري.
ذلك المنفيّ الأبدي الذي غيّبته الجغرافيا، لكن صوته ظل صدىً خالدًا في ضمير الشعر، ومشعلًا يتوقّد في عتمة عالمٍ يقتل الإنسان باسم الإنسان ويذبح الوطن تحت راية الوطن.
في حضرتك تتلعثم الكلمات ويتقزّم الحرف، فما الذي يمكن أن يُقال في رثاء من كان للكلمة وطنًا، وللقصيدة منفى، وللإنسانية ضميرًا حيًّا؟ عذرًا، فالمفردات تخجل من مقامك، والمعاني تذوب في وهج حضورك الغائب. يتشظّى القلب لوعة، وتتفجر الذاكرة كبركانٍ حزين تنبعث من أعماقه رماد أعمارٍ متعبة وسؤال معلّق: كيف نرثيك؟
ها نحن يا فيتوري أسرى لذات الأوجاع التي عرفتها، نحمل جراح الوطن على ظهورنا ونمضي في ليلٍ بلا نجوم. ماذا يُجدي البكاء وقد غرق المداد بدمع الحنين؟ رحيلك لم يكن مجرد غياب، بل كان إعلانًا لنهاية فصلٍ من الحلم. كنت مهاجرًا لم يعرف الاستقرار، ولم يعرف فراشًا إلا وكان السودان وسادته، ولم يتناول خبزًا إلا وكانت أشواك الجوع تشتعل في ضلوع الوطن.
لم تكتب بيتًا إلا وكان الوطن حرفه الأول، ولم تتأمل مشهدًا إلا وكان السودان صورته الكبرى. كانت قصائدك أضلاع وطنٍ يتألم، وصوتك ناقوسًا يقرع في برية النسيان، فهل يُرثى من كان القصيدة ذاتها؟
رحيلك يا فيتوري لم تبكه الخرطوم وحدها، بل بكته العواصم التي آوتك في المنافي والموانئ التي شهدت رحيلك الأول. كان وداعك صامتًا كأنك انسللت من بيننا كنسمة خجولة، لا قبلة وداع ولا التفاتة أخيرة، فقط ظلّك وحنينٌ يتبعك.
رحلت كما ترحل النوارس حين تضيق بها السواحل إلى شطآنٍ أكثر نقاءً ومدنٍ لا يسكنها الصيادون. كنا نحلم أن تعود، أن تمشي في طرقات الجنينة، أن تنثر القصائد على نهر دارفور، لكن السماء أبت إلا أن تكون النهاية وجعًا.
هكذا زحفت جيوش القدر لتخطفك، فلم تصمد أمامها جيوش الحروف ولا قلاع الشعر ولا مجاديف الحنين. رحلت، وها هي روحك تهاجر أخيرًا إلى الأفق الذي يشبهك.
وداعًا أيها الطائر الجريح..
نم قرير العين يا فيتوري، فقد آن لروحك أن تستريح. لقد كتبت ما يكفي لتُبقي اسمك حيًّا، وقصائدك شاهدًا، وحلمك معلقًا في ذاكرة الذين لا ينسون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.