المحرّر الاقتصادي
ليست الأسعار مجرد أرقام في دفاتر التجار، ولا هي مجرد مؤشرات اقتصادية باردة؛ الأسعار في عمقها الفلسفي هي ترجمة لعلاقة الإنسان بمحيطه، وهي ثمن بقائه، وكلفة خوفه، وفاتورة انهيار الدولة من حوله. عندما نقارن أسعار السلع نفسها في أربع ولايات سودانية (النيل الأبيض، غرب كردفان، البحر الأحمر، شمال كردفان)، فإننا نقارن أربعة نماذج لـ (كيف تموت الدولة)، وأربعة أوجه لـ (كيف يعيش الإنسان تحت وطأة الحـ.ـرب). هذه المقارنة هي رحلة في جغرافية المعاناة لفهم كيف يتوزع البؤس وفقاً لمدى القرب من لهيب النيران أو الانكشاف على الفوضى.
المسافة بين الجوع والشبع
تظهر الفوارق الصادمة في السلع الأساسية أن قيمة “لقمة الخبز” تختلف باختلاف الموقع العسكري والأمني:
-
الدقيق: يبلغ سعر الكيلو في ولاية البحر الأحمر 3,000 جنيه، وفي غرب كردفان 4,500 جنيه، بينما ينخفض في شمال كردفان إلى 1,000 جنيه للكيلو (وفق البيانات المتاحة). هذا التفاوت ليس اقتصادياً بحتاً، بل هو مقياس للمسافة بين الإنسان والأمن الغذائي؛ فالمناطق المنكشفة على النـ.ـزاع تدفع ثمن القلق سعراً مضاعفاً.
-
السكر: يتراوح الكيلو بين 3,440 جنيهاً في شمال كردفان وصولاً إلى 5,000 جنيه في غرب كردفان. فارق الـ 25% هذا يعني لأسرة فقيرة المفاضلة بين شراء قطعة ملابس لطفل أو تأمين الحد الأدنى من الغذاء.
-
اللحوم: كشفت المقارنة عن انفصال تام للأسواق؛ فبينما يبلغ سعر كيلو الضأن 40,000 جنيه في “بورتسودان” و”ربك”، ينخفض إلى 16,000 جنيه في غرب كردفان (ثلث السعر)، مما يثبت أن الحـ.ـرب والحـ.ـصار مزقا سلاسل الإمداد الوطنية وجعلا من الوفرة المحلية في مناطق الإنتاج “نعمة معزولة”.
عندما يصبح “الموز” ترفاً
-
البصل: يرتفع سعره في ولاية البحر الأحمر إلى 2,000 جنيه للكيلو وفي شمال كردفان إلى 3,000 جنيه، بينما ينخفض في النيل الأبيض إلى 1,000 جنيه. هذه هي “لعنة الجغرافيا” وانهيار طرق النقل.
-
الفواكه: الفجوة في سعر الموز بين 3,000 جنيه في البحر الأحمر و10,000 جنيه في غرب كردفان تؤكد أن الحـ.ـرب لا تـ.ـقـ.ـتل الناس فقط، بل تـ.ـقـ.ـتل ذاكرة “الطعم الحلو” لدى البسطاء، وتحول الفاكهة العادية إلى كماليات للأثرياء فقط.
الصابون كآخر خطوط الدفاع
هناك تقارب ملحوظ في أسعار صابون الغسيل (حوالي 1,000 – 1,500 جنيه)، مما يشير إلى أن الحد الأدنى من النظافة لا يزال متاحاً، لكن “معجون الأسنان” الذي يصل سعره إلى 4,500 جنيه في البحر الأحمر مقابل 1,000 جنيه في النيل الأبيض، يعكس استغلال الطلب المرتفع في “العاصمة البديلة” (بورتسودان) حيث تزدحم بـالنازحين والبعثات.
الوقود والطاقة
-
البنزين: يبلغ لتر البنزين في البحر الأحمر 4,840 جنيهاً، بينما يقفز في غرب كردفان إلى 11,904 جنيهاً. هذا الفارق هو “ضريبة المخاطرة” التي يضيفها التجار لتغطية انعدام الأمن على الطرق.
-
غاز الطهي: الكارثة الكبرى تكمن في وصول سعر الأسطوانة في غرب كردفان إلى 300,000 جنيه، مقابل 90,000 جنيه في مناطق أخرى. هذا الفارق المهول يُجبر الأسر على العودة إلى “الحطب والفحم”، وهو تراجع حضاري قسري يضر بالبيئة وصحة النساء والأطفال.
متاجرة بآلام النزوح
تمثل الإيجارات في ولاية البحر الأحمر (بورتسودان) شهادة فشل إنساني؛ حيث يصل إيجار منزل كامل إلى 2,500,000 جنيه شهرياً، ونصف المنزل بـ 900,000 جنيه. النزوح الجماعي ضخ طلباً خيالياً في مدينة ضيقة، مما جعل السكن يلتهم كامل دخل الأسر النازحة التي هربت من المـ.ـوت لتواجه “المـ.ـوت البطيء” بسب الغلاء. أما المياه، فـالعودة إلى “شراء الماء بالبرميل” (5,000 جنيه للبرميل في غرب كردفان) هي إعلان رسمي عن انهيار مشروع الدولة الحديثة.
ماذا تقول الأرقام عن “سلطة الأمر الواقع”؟
-
السلطة غائبة حتى في معقلها: وجود الحكومة في بورتسودان لم يحمِ المواطن من غلاء الإيجارات الفاحش، السلطة حاضرة في “المباني” وغائبة عن “حياة الناس”.
-
انهيار سلاسل الإمداد: التفاوت الهائل في أسعار الوقود والغاز هو ثمن انعدام الأمن على الطرق الذي فشلت السلطة في تأمينه.
-
فشل سياسة الإيواء: عدم قدرة الحكومة على استيعاب النازحين في مراكز منظمة تركهم فريسة لسماسرة العقارات.
-
التراجع الحضاري: العودة للحطب والماء بالبراميل هي أكبر مؤشر على فشل الدولة في توفير أبسط مقومات الحياة.
هذه المقارنة تثبت أن سلطة الأمر الواقع قد فشلت في توفير أدنى مستويات الحياة الكريمة للمواطن السوداني. الإنسان السوداني لا يطلب المعجزات، بل يطلب خبزاً بسعر معقول، وماءً نظيفاً، وسقفاً آوياً.
يجب وقف الحـ.ـرب اللعينة، ومعاً لبناء الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير.
#السودان #اقتصاد_السودان #غلاء_المعيشة #أخبار_السودان #بورتسودان #كردفان #النيل_الأبيض #حـ.ـرب_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #النازحين #انهيار_الدولة #لا_للحرب

Leave a Reply