بقلم: ود الأغبش ومجموعة النوريق
غرق في نشوة ذاته، اختفى في عتمة الماء ثم عاد يطفو منتفخاً متعفناً كأن النهر لفظ خطيئة قديمة ظل يحملها سنين طويلة..
جسد بلا روح يتأرجح فوق السطح… الهواء من حوله ثقيل والعيون تنفر والأنفاس تضيق حتى مخلوقات النهر ابتعدت عنه كأنه رجس لا يطاق.
صار كرة ملتهبة تختزن خراباً كامناً قابلة للانفجار في أي لحظة كأن الزمن نفسه يخشى اقترابه منها…
أهل الحي وقفوا في دائرة صامتة… يفكرون في حفرة عميقة تشبه نهايته حفرة تبتلع القبح وتخفي الرائحة وتعيد للأرض توازنها…
الأعيان بحثوا عن الآلات وعن رجال يعرفون كيف يدفنون العار لكن عند الأطراف وقف من كانوا حوله يوماً يتشبثون بجثته يهمسون: “إنه حي.. إنه سيعود.. إنه لن يموت” إنه الزحف الأخضر.. إنه التيار العريض…
في جهة أخرى ظل من كان يطعمه ويسقيه خمور الوهم عاجزاً عن الاعتراف أن النهاية جاءت وأن الجسد تعفن وأن الحكاية انتهت.
الشمس في كبد السماء تضربه بلا رحمة والنهر يرفض أن يحمله كأن الماء نفسه تمرد عليه ودفعه نحو الشاطئ قائلاً: خذوه عني.
فتاة صرخت: لن أشرب من هذا النهر بعد اليوم وطفل قال: لن آكل سمكاً بعد الآن والناس بين ذهول وخوف ينتظرون لحظة الحسم….
بحثوا له عن حسنة فلم يجدوا غير سجل مثقل بـ الـإجـ.ـرام والشتيمة والحرام سيرة سوداء كليل طويل لا فجر له ووظيفة مغتـ.ـصب في دهاليز الأمن ثم مرضعاً في دار الأيتام.. فقط هو يرضع من مال الوطن بلا حق ولا رحمة وقصة خزي تتردد في الذاكرة:
كيف أصبح والياً؟ كيف أصبح حاكماً؟
يوماً.. وجدوه زانياً في نهار رمضان لا يخشى الله ولا الناس… دخل السجن ساعات.. ثم تحلل ثم عاد إلى مكتبه..
ما زال يطفو ويدور حول نفسه ببطء والطيور هجرت السماء فوقه والريح مرت مسرعة لا تريد حمل الرائحة والنهر تراجع خطوة كأنه يقول: هذا ليس مني.
الأمواج تحاذي جسده ولا تلامسه كأنها تعرف أن الاقتراب تلوث.. الناس محتشدون فاقدون الإحساس كأنهم يشاهدون نهاية أسطورة قبيحة.. تساءلوا: كيف ظل هذا الشر يحكم؟ كيف تسلل إلى المدينة؟ كيف لبس ثوب الوالي والدين وهو يحمل أنياب الغدر والخبث؟ إنه كان ملفاً كاملاً من الجريمة..
كأنه نزل ليستحم لكن الماء كان ينتظره منذ زمن كان يترصد لحظة الضعف فأمسك به وأنزله إلى القاع لحظة قصيرة أنهت زمناً طويلاً من الأذى.
الماء وجد فرصته الأخيرة.. فرصة الخلاص فرفع صوته الخفي: خذوه فاقذفوه في بئر مهجورة وأغلقوا عليه التراب.
جاء البلدوزر كأنه قدر يتحرك بلا تردد اقتلعه من سطح الحياة، دار به دورة النهاية ثم مضى به نحو بئر العرب المنسي.
رماه هناك وانهال عليه بالتراب.. طبقة فوق طبقة حتى صمت الصوت واختفت الرائحة وربط السائق وجهه بشاله كأنما يصد لعنة متأخرة.
حين انتهى العمل ذهب إلى النهر ثم اغتسل وصلى وعاد هادئاً كأن الروح نفسها استعادت توازنها..
الناس انسحبوا زرافات ووحداناً نحو بيوت أكثر أمناً نحو ليل أخف وطأة.. حمدوا الله ليلتها..
لم يعد هناك من يلحس كوعه ولا من يردد: “من غير الله الزارعنا اليجي يقلعنا” لن تغتـ.ـصب أطفالهم بعد اليوم.
انتهى زمن الغرور وانطفأت نار الفراعنة والمجوس وسيعود النهر صافياً كما كان.. ستعود الطيور وتحط فوق الشواطئ.. والفراشات ورائحة الزهور.. ستمرح الأسماك بلا خوف… وسيأتي نسيم الفجر خفيفاً يحمل رائحة بداية جديدة.
هكذا انتهت جنازة الكوز العربيد.. وهكذا بدأت الحياة من جديد..
بزهوها المتناسق في تآلفه سماحة وعطاء فعودة النوارس إلى أرخبيلها تضج السواحل بالحياة تصدح البلابل في دوحها ويغرد الكنار في أغصانه ويتألق الإنسان في عطائه ويبني مجداً تتوارثه الأجيال.

Leave a Reply