صوت الإنسان في مواجهة العتمة: محمد مفتاح الفيتوري.. شاعر إفريقيا الذي كتب اسمه على جدار الحريّة

صحيفة الهدف

د.أحمد الليثي

مقدمة
“الكتابة عن محمد مفتاح الفيتوري، بما اختزنته تجربته من تحوّلاتٍ وصراعات، ليست وصفًا لتجربة شاعر، بل محاولة لقراءة سيرةٍ لم يكتبها الحبر، بل كتبتها الجراح، وصاغتها المنافي، وأعاد القلق الوجودي تشكيلها”.
من هنا، لا يعود الحديث عن الفيتوري مجرد استعراضٍ لمحطات حياته أو تتبّعٍ لتحوّلاته الفنية، بل محاولة لفهم تجربةٍ إنسانيةٍ مركّبة، تداخل فيها الشخصي بالتاريخي، والذاتي بالجمعي.
فهو شاعرٌ لم يكتب القصيدة بقدر ما كتب نفسه فيها، ولم يعبّر عن زمنه فحسب، بل أعاد مساءلته، وفضح تناقضاته، وسعى إلى معنى يتجاوز حدوده.
شاعرٌ على تخوم هويتين.. وهويةٌ تبحث عن ذاتها
وُلد الفيتوري في السودان، ونشأ في مصر، وتنقّل بين فضاءاتٍ عربية وإفريقية متعدّدة، فكان ابنَ جغرافياتٍ لا تنصهر في هويةٍ واحدة، بل تتجاور وتتصارع داخل نصّه. هذا التعدّد لم يمنحه طمأنينة الانتماء، بل عمّق فيه سؤالًا ظلّ يطارده: هل الانتماء اختيار.. أم قدر؟
في قصائده، لا يعود الوطن مكانًا، بل جرحًا مفتوحًا، ولا تصبح الهوية تعريفًا، بل بحثًا لا ينتهي.
لقد حمل في ذاته قلق الجغرافيا، فصار شاعر السؤال قبل أن يكون شاعر الإجابة: من أنا؟ وأين أنتمي؟ ومن هذا السؤال، ولدت تجربةٌ عبرت من الوجع الشخصي إلى أفقٍ إنسانيّ أوسع.
من الزنوجة إلى الكونية: رحلة التحرّر
في بداياته، ارتبط الفيتوري بروح حركة الزنوجة، فكتب عن الإنسان الإفريقي بوصفه ذاتًا مُهانة تسعى إلى استعادة كرامتها.
كان اللون في شعره موقفًا، لا وصفًا؛ احتجاجًا على تاريخٍ طويل من العبودية والتشييء. غير أنه لم يبقَ أسير هذه المرحلة؛ إذ تجاوزها نحو أفقٍ أرحب، حيث لم يعد يدافع عن “الأسود” بوصفه لونًا، بل عن “الإنسان” بوصفه قيمة. وهنا، تحوّلت قصيدته من خطاب هوية إلى خطابٍ كوني.
اللغة بوصفها ساحة مقاومة
لم تكن لغة الفيتوري تقريرية أو مباشرة، بل مشبّعة بالرمز، متكئة على: التاريخ الإفريقي، الأسطورة، والإيحاء الصوفي.
كان يكتب كما لو أنه يستدعي ذاكرةً جماعية، لا مجرد تجربة فردية. قصيدته لا تُقال.. بل تُستخرج من عمقٍ سحيق، حيث تختلط الأصوات القديمة بأسئلة الحاضر. لم يكن الفيتوري يكتب العالم كما هو، بل كما ينبغي أن يكون: أكثر عدلًا.. وأكثر إنسانية.
شاعر المنفى.. حين يصبح العالم ضيقًا
لم يكن المنفى عند الفيتوري انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل حالةً وجودية. تعرّض للتضييق، وسُحبت منه الجنسية في إحدى مراحله، وتنقّل بين بلدانٍ دون أن يجد استقرارًا حقيقيًا.
في هذا السياق، تصبح القصيدة محاولةً للنجاة، لا من مكان، بل من فقدان المعنى. فالوطن عنده ليس جغرافيا.. بل حالة وجود.
بين الثورة والتصوّف: تحوّلات الروح
شهدت تجربة الفيتوري تحوّلا لافتًا: من شاعرٍ ثوريّ يصرخ في وجه الظلم، إلى شاعرٍ صوفيّ ينصت إلى صمت الداخل.
في نصوصه المتأخرة، يقترب من روح الحلاج، حيث يتحوّل الشعر إلى كشف، والعشق إلى تجربة فناء.
لم يتخلَّ عن الثورة، بل أعاد توجيهها: من مواجهة السلطة.. إلى مواجهة الذات. هكذا انتقلت قصيدته من صرخةٍ عالية إلى تأملٍ عميق، ومن احتجاجٍ مباشر إلى كشفٍ داخلي.
الفيتوري والقصيدة الحديثة
ينتمي الفيتوري إلى جيل الحداثة الشعرية العربية، إلى جانب أدونيس ومحمود درويش، غير أنه تفرّد بإدخال البعد الإفريقي إلى قلب القصيدة العربية. لقد وسّع حدود القصيدة، وجعلها أكثر قدرة على احتواء الهامش، وتحويله إلى مركز.
شاعر عابر للحدود
لم تتوقف تجربة الفيتوري عند جغرافيا أو سياقٍ سياسي محدّد؛ قصيدته عبرت الحدود لأنها لم تكن عن مكان، بل عن الإنسان. كتب الحريّة بوصفها شرطًا للوجود، وكتب الكرامة بوصفها جوهرًا لا يُساوَم عليه.
الخاتمة: ما الذي يبقى؟
رحل الفيتوري عام 2015، لكن سؤاله لم يرحل: كيف نكّون أنفسنا في عالمٍ يريدنا نسخًا متشابهة؟ يبقى منه أكثر من شعر؛ يبقى أثره..
في كل قصيدةٍ ترفض الانكسار، وفي كل صوتٍ يصرّ على أن يكون حرًا، وفي كل إنسانٍ يكتب ذاته.. رغم كل شيء.
في سنواته الأخيرة بالمغرب، عاش بعيدًا عن الأضواء، مثقلًا بالمرض، لكن حضوره ظلّ ممتدًا في الذاكرة الثقافية العربية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زال صوته مسموعًا اليوم؟ ربما نعم.. كلما قرأنا قصيدةً تبحث عن الحريّة، أو هويةٍ ترفض أن تُختزل،
أو إنسانٍ يحاول أن ينجو من نفسه..
هناك، في مكانٍ ما، لا يزال الفيتوري يكتب.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.