النداء المشترك بين إدارة الأزمة وحدود الحل في السودان(2-2)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

سادساً: البعد الإجرائي كاختبار للواقعية: غير أن ما يمنح الوثيقة وزنها العملي، ليس فقط طابعها المفاهيمي، بل ما تتضمنه من تفاصيل إجرائية دقيقة، تتعلق بحماية البنية التحتية، واستئناف الخدمات، وتيسير عودة النازحين، وإعادة تشغيل العملية التعليمية، وتأمين مدخلات الإنتاج الزراعي.

وهذه العناصر، في ظاهرها، تبدو تقنية، لكنها في عمقها تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى انتقال النص من مستوى (التوصيف) إلى مستوى (التنفيذ). فالسياسة، حين تنفصل عن تفاصيل الحياة اليومية، تتحول إلى خطابٍ معلّق، بينما تُقاس فعاليتها بقدرتها على إعادة تنظيم الإيقاع الاجتماعي للحياة، كيف يعود الناس إلى مدارسهم؟ كيف تُستعاد دورة الإنتاج؟ كيف يُعاد بناء الحد الأدنى من الاستقرار؟. ومن هنا، فإن البعد الإجرائي في الوثيقة ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو المعيار الذي سيحكم على صدقيتها. وفي هذا السياق، أعلن المانحون في مؤتمر برلين عن تقديم 1.5 مليار يورو للاستجابة الإنسانية. هذا الرقم، رغم كونه أقل من الاحتياجات الفعلية، يمثل اختباراً عملياً لجدية المجتمع الدولي. فالمال وحده لا يحل الأزمة، لكن غيابه يضمن استمرارها.

سابعًا: الملكية السودانية: (بين الاستقلال والتدويل): يشدد النداء على أن الحل يجب أن يكون (سودانيًا). لكن، في الوقت نفسه، يدعو إلى دعم دولي، وتنسيق إقليمي، وتدخل إنساني. وهنا تظهر واحدة من أعقد مفارقات السياسة الحديثة كيف يمكن الجمع بين السيادة الوطنية، والاعتماد على الفاعلين الدوليين؟ إن ما يطرحه النص هو نموذج (السيادة التشاركية)، حيث لا تُلغى الدولة، لكنها لا تعمل وحدها.

وهذا النموذج، رغم واقعيته، يحمل مخاطر تضارب الأجندات، وتآكل القرار الوطني. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن السودان لم يعد ساحة أزمة داخلية فقط، بل أصبح جزءًا من توازنات إقليمية ودولية متشابكة، تتداخل فيها مصالح قوى متعددة، تتراوح بين الأمن، والموارد، والموقع الجغرافي.

ومن هنا، فإن أي حديث عن (حل سوداني) يظل مشروطًا بقدرة الفاعلين المحليين على إدارة هذه التشابكات، لا مجرد رفضها. فالسيادة، في عالم اليوم، لم تعد تعني الانعزال، بل القدرة على التفاوض من موقع قوة، والتحكم في حدود التأثير الخارجي، لا إنكاره لا تلغي الوثيقة السيادة، بل تعيد تعريفها ضمن واقع تشاركي، حيث تصبح القدرة على إدارة التدخل الخارجي جزءًا من مفهوم السيادة ذاته.

غير أن الآلية الخماسية نفسها تحمل تناقضاً بنيوياً فهي تجمع فاعلين دوليين لهم أجندات متباينة (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الجامعة العربية، إيغاد، الاتحاد الأفريقي). وهذا التنوع قد يكون قوة في التنسيق، لكنه قد يتحول إلى تعطيل إذا تعارضت المصالح. ومن هنا، فإن (الدعم الدولي) ليس ضماناً للحل، بل هو متغير إضافي يحتاج إلى إدارة واعية لا استسلام تام.

كما أن الدعوة إلى (الدعم الدولي المنسق) لا تعكس فقط حاجة مادية، بل تؤدي وظيفة تنسيقية، تهدف إلى تقليل تشتت المبادرات الدولية، ومحاولة وضعها ضمن إطار واحد يخدم المسار المدني، وهو ما يعكس إدراكًا لوظيفة الوثيقة كأداة تنظيم، لا مجرد إعلان مبادئ.

ثامنًا: العدالة: (كشرط أم كنتيجة؟): تضع الوثيقة العدالة الانتقالية في قلب الحل، محاسبة، وعدم إفلات من العقاب. لكن السؤال الفلسفي هنا هو هل العدالة شرط لبدء السلام، أم نتيجة له؟ . ففي التجارب التاريخية، العدالة الكاملة قد تعرقل التوافق، والتوافق قد يؤجل العدالة. ومن هنا، فإن النص يتبنى موقفًا أخلاقيًا واضحًا، لكنه لا يحسم التوتر بين العدالة كقيمة والاستقرار كضرورة.

تاسعًا: نحو قراءة أعمق: (الأزمة كأزمة بنية لا ظرف): في مجمله، يعكس النص وعيًا متقدمًا بتعدد أبعاد الأزمة،

لكنه يبقى ضمن إطار إدارة الأزمة، لا تفكيكها جذريًا. فالوثيقة تشخص، وتدعو، وتقترح. لكنها لا تذهب بعيدًا في تحليل جذور السلطة، وطبيعة الاقتصاد السياسي، وبنية الصراع الاجتماعي. وهذا ليس ضعفًا بقدر ما هو حدٌّ موضوعي لوثيقة توافقية.

عاشراً: دلالة الموقعين: (بين التمثيل والسلطة): ولا تقل دلالة الأطراف الموقعة على الوثيقة أهمية عن مضمونها، إذ تعكس طبيعة التحالف المدني والسياسي الذي يسعى لإعادة تشكيل المشهد، ومن بين هذه الشخصيات دكتور عبد الله حمدوك، وبروف صديق تاور عضو مجلس السيادة، بما يمثلاه من ثقل سياسي ورمزية انتقالية، غير أن حضور هذه الأسماء، رغم أهميته، يطرح سؤالًا جوهريًا هل يكفي التمثيل السياسي لإنتاج حل، أم أن الأزمة تجاوزت الأفراد لتستقر في بنية النظام نفسه؟ فالتاريخ يشير إلى أن الأزمات العميقة لا تُحل بتبديل النخب فقط، بل بإعادة بناء قواعد اللعبة ذاتها وبذلك، يمكن فهم الوثيقة ضمن إطار (إدارة الأزمة) لا (حلها)، حيث تسعى إلى تنظيم الفاعلين، وتوحيد الخطاب، وخلق أفق سياسي مشترك. دون أن تمتلك، بطبيعتها، أدوات التنفيذ الحاسمة. في هذا الإطار، يمكن القول إن الوثيقة تؤدي ثلاث وظائف أساسية:

1. وظيفة رمزية: إعلان وجود بديل مدني،

2. وظيفة تنسيقية: محاولة توحيد الفاعلين والخطابات،

3. وظيفة تأطيريه: إعادة تعريف الأزمة بوصفها شاملة لا جزئية.

غير أن هذه الوظائف (رغم أهميتها)، تظل غير كافية ما لم تتحول إلى قدرة فعلية على التأثير في ميزان القوى.

خاتمة: إن (النداء المشترك) ليس حلًا بقدر ما هو محاولة لإعادة تنظيم شروط الحل. فهو لا يقدّم برنامجًا تنفيذيًا مكتملًا، بقدر ما يؤسس لإطار سياسي يمكن أن يُبنى عليه، إذا ما توفرت شروط القوة والتنفيذ. وبين النص بوصفه أداة تنظيم، والواقع بوصفه ساحة صراع، تبقى المسافة قائمة هل تستطيع هذه الوثيقة أن تنتقل من كونها (لغة مشتركة) إلى أن تصبح (قوة فاعلة) ؟، هنا، لا يُختبر النص فيما يقوله، بل فيما يستطيع أن يفعله.

غير أن ما تكشفه هذه الوثيقة (مهما بلغت دقتها)، هو حدّها الأقصى في أنها تعالج أزمة داخل إطارها، دون أن تعيد تعريف الإطار نفسه. فغياب المشروع القومي العربي لا يظهر فقط في ضعف التنسيق بين الأقطار، بل في عجز كل قطرٍ عن حماية ذاته منفردًا، لتتحول الدولة القطرية من أداة بناء إلى ساحة صراع، ومن كيان سيادي إلى مجال مفتوح لتوازنات الخارج. إن الأزمة، في جوهرها، ليست فقط حربًا يجب أن تتوقف، بل بنية سياسية واقتصادية لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار أو التنمية. ومن هنا، لا يكفي استعادة الدولة، بل لا بد من إعادة تعريفها دولةٌ تربط بين السيادة والتنمية، وبين القرار الوطني والقدرة الإنتاجية، بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي. فالدولة التي لا تنتج، لا تملك قرارها، والسيادة التي لا تُسندها تنمية، تبقى شعارًا مؤجلًا. وهنا، يتجاوز السؤال حدود السودان هل يمكن إصلاح الواقع داخل شروطه القديمة؟ أم أن ما نحتاجه، هو أفقٌ جديد، يُعيد وصل ما انقطع بين الأمة ومشروعها. ربما يكون النداء المشترك، في حد ذاته، بداية لهذا الأفق. ليس لأنه يقدم حلولاً جاهزة، بل لأنه يعيد طرح السؤال من جديد كيف ننتقل من لغة إدارة الأزمة إلى لغة بناء المشروع؟ وهل يمكن لكتابة نص أن تكون الفعل الأول في تغيير واقع؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.