أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليست الوثائق السياسية -في لحظات الأزمات الكبرى- مجرد نصوص إجرائية، بل هي مرايا تعكس مستوى الوعي بطبيعة الصـ.راع، وحدود إدراك الفاعلين لبنية الأزمة التي يتعاملون معها.
مع دخول الحـ.رب عامها الرابع، لم يعد ممكناً قراءة النداء بوصفه مجرد استجابة إنسانية، بل بوصفه اعترافاً ضمنياً بفشل كل المحاولات السابقة لوقف النزيف. وفي هذا المعنى، فإن (النداء المشترك لإنهاء الحـ.رب وتعزيز عملية سياسية ذات ملكية سودانية)، لا يمكن قراءته فقط كوثيقة توافقية، بل كنص يحاول إعادة تعريف ثلاثة مفاهيم مركزية:
-
الحـ.رب،
-
الدولة،
-
والشرعية.
ومن الناحية البنيوية، تتخذ الوثيقة شكلًا منظّمًا يقوم على سبعة محاور رئيسية، تمتد من إنهاء الحـ.رب إلى العدالة الانتقالية، وهو ما يمنحها طابع (الإطار الشامل) لإعادة بناء الدولة. غير أن قراءة هذه الوثيقة لا تكتمل دون فهم وظيفتها الأساسية. فهي لا تُكتب بوصفها نصًا تحليليًا يفسّر الأزمة، بل بوصفها أداة سياسية تهدف إلى:
-
بناء حد أدنى من التوافق بين فاعلين مدنيين متعددين،
-
توحيد الخطاب تجاه الحـ.رب بوصفها مرفوضة جماعيًا،
-
إرسال إشارة سياسية إلى الداخل والخارج بوجود بديل مدني منظم.
ومن هنا، فإن ما قد يبدو نقصًا في التحليل (كغياب التحديد الدقيق للأطراف أو الأسباب)، ليس بالضرورة قصورًا، بل قد يكون شرطًا لإنتاج هذا التوافق. فالوثيقة لا تسعى إلى تفسير الأزمة بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم الموقف منها.
غير أن هذا الاتساع، رغم ضرورته، يحمل في طياته مفارقة منهجية، تتمثل في محاولة الجمع بين مراحل تاريخية مختلفة (وقف النزاع، الانتقال السياسي، إعادة الإعمار)، ضمن لحظة واحدة، وهو ما يفرض تحديًا على مستوى الأولويات، والتدرج، وإدارة الزمن السياسي. فينبغي قراءة هذه الوثيقة بوصفها نتاجًا لتوازنات سياسية بين أطراف مدنية متعددة، ما يجعلها أقرب إلى (حد أدنى توافقي)، منها إلى رؤية تحليلية مكتملة.
أولًا: من الحـ.رب كحدث إلى الحـ.رب كبنية:
يُقدّم النص الحـ.رب بوصفها كارثة إنسانية متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وأمنية. وهذا التوصيف، رغم دقته الظاهرة، يكشف في عمقه تحولًا مهمًا من فهم الحـ.رب كـ (صـ.راع بين أطراف)، إلى فهمها كـ (بنية متشابكة من الاختلالات). فالوثيقة لا تتحدث فقط عن وقف القـ.تال، بل عن خطاب الكراهية، وانهيار الخدمات، والنزوح، وتفكك البنية التحتية.
وهنا، تخرج الحـ.رب من كونها لحظة عسكرية لتصبح حالة مجتمعية شاملة. لكن، من زاوية تحليلية أعمق، يظل السؤال قائمًا: هل يكفي توصيف الحـ.رب كبنية، دون تفكيك القوى التي تنتجها؟.
كما أن توصيف الحـ.رب كبنية متعددة الأبعاد لا يخدم فقط الفهم، بل يؤدي وظيفة سياسية مهمة؛ وهي نقل الخطاب من منطق (الطرف ضد الطرف) إلى منطق (الأزمة الشاملة)، وهو ما يتيح بناء تحالف أوسع حول ضرورة إنهائها.
ومن مظاهر هذه البنية أيضاً، ما أشار إليه النداء من ضرورة إطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات تعسفاً والأسرى والمخفيين قسراً. فهذه ليست مجرد نداء إنساني، بل اعتراف بأن الحـ.رب أنتجت منظومة كاملة من الاختفاء القسري، حيث تحول الإنسان من مواطن له حقوق إلى رهينة لا يعرف مصيره. إن إطلاق السراح ليس فقط فعل عدالة، بل هو اختبار أولي لصدقية أي طرف يدعي الرغبة في السلام. فكيف يبني السلام من يخفي الناس في أقبية النسيان؟
ثانيًا: الدولة بين السيادة والوظيفة:
يؤكد النص على (وحدة السودان وسيادته)، ويدعو إلى (عملية سياسية ذات ملكية سودانية)، لكن هذا الطرح يفتح مفارقة فلسفية عميقة: هل يمكن الحديث عن سيادة دولة، في ظل تعدد مراكز القوة، والتدخلات الإقليمية، وضعف المؤسسات؟. إن الوثيقة تفترض وجود (دولة قابلة للاستعادة)، بينما الواقع يشير إلى أزمة أعمق، أزمة في تعريف الدولة نفسها.
لا تسعى الوثيقة إلى إعادة تعريف الدولة بقدر ما تفترض إمكانية استعادتها، وهو افتراض يحمل في طياته إشكالية نظرية حول طبيعة الدولة السودانية نفسها؛ فالدولة هنا ليست فقط كيانًا مهددًا، بل كيانًا لم يُحسم شكله بعد، هل هي دولة مركزية؟ أم شبكة سلطات متداخلة؟ ومن هنا، فإن الحديث عن (الملكية السودانية) للحل، يظل صحيحًا أخلاقيًا، لكنه معلق عمليًا على إعادة بناء الدولة ذاتها.
ثالثًا: الأخلاق السياسية-(من المعيار إلى الأداة):
تحفل الوثيقة بلغة أخلاقية واضحة:
-
حماية المدنيين.
-
منع العنف.
-
العدالة.
-
عدم الإفلات من العقاب.
وهذا يعكس ما يمكن تسميته بـ (أخلاقية الخطاب السياسي)، لكن، في التحليل العلمي، تظهر مفارقة أساسية؛ فالأخلاق في النص تُطرح كـ (مبادئ ملزمة)، بينما في الواقع السياسي، هي غالبًا (نتائج لموازين القوة). أي أن العدالة لا تتحقق فقط لأنها مطلوبة، بل لأنها ممكنة ضمن توازنات معينة. ومن هنا، فإن الوثيقة تمثل انتقالًا من السياسة كصـ.راع مصالح إلى السياسة كخطاب معياري، وهو انتقال مهم، لكنه غير مكتمل دون أدوات تنفيذ.
رابعاً: البعد الإنساني كمرآة لانهيار الدولة:
ويكتسب البعد الإنساني في الوثيقة أهمية خاصة، لا بوصفه استجابة أخلاقية فحسب، بل بوصفه مؤشرًا على عمق انهيار الدولة. فحين تتحول قضايا مثل حماية المدنيين، والعنف القائم على النوع، وتأمين المساعدات، إلى مركز الخطاب السياسي، فإن ذلك لا يعكس فقط حساسية إنسانية، بل يكشف انتقال الدولة من موقع (الضامن) إلى موقع (العاجز عن الحماية).
وهنا، لا تعود الإنسانية بديلاً عن السياسة، بل تصبح دليلًا على فشلها. فالوثيقة، في هذا المستوى، لا تطالب فقط بوقف الانتهاكات، بل تشير (ضمنيًا) إلى غياب البنية التي كان يُفترض أن تمنعها أصلًا. وفي هذا السياق، لا تُفهم اللغة الأخلاقية فقط كخطاب معياري، بل كأداة تعبئة سياسية، تهدف إلى خلق أرضية مشتركة يصعب الاختلاف حولها، خاصة في بيئة منقسمة. فالأخلاق هنا ليست بديلاً عن السياسة، بل مدخلًا لإعادة بنائها.
وتؤكد الأرقام الصادرة عن مؤتمر برلين هذا التشخيص، حيث إن 33.7 مليون شخص داخل السودان بحاجة للمساعدة، و13 مليون نازح، ومجاعة مؤكدة في عدة مناطق. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي خرائط لانهيار دولة لم تعد قادرة على حماية مواطنيها.
خامساً: من وقف الحـ.رب إلى إدارة ما بعدها:
يدعو النص إلى:
-
وقف إطلاق النار.
-
عملية سياسية.
-
عدالة انتقالية.
لكن هذه العناصر، رغم ترابطها، تنتمي إلى ثلاث مراحل مختلفة: أ. إيقاف النزاع. ب. إدارة الانتقال. ت. إعادة بناء الدولة.
والوثيقة (في سعيها للجمع بينها) تقع فيما يمكن تسميته (ضغط الزمن السياسي)، أي محاولة تحقيق مراحل تاريخية متعددة في لحظة واحدة. وهنا تكمن إحدى حدود النص أنه يقدّم (خريطة شاملة)، دون تفكيك دقيق لمراحل التنفيذ.
نواصل…

Leave a Reply