تحرير الفاو: من النصر العسكري إلى سؤال المشروع القومي: قراءة في مفهوم التحرير في الفكر البعثي

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في فبراير 1986، سقطت شبه جزيرة الفاو بيد القوات المحتلة الإيرانية، بقيت محتلة لأكثر من 26 شهراً. وفي 17 أبريل 1988، وفي عملية (رمضان المبارك)، استعادها الجيش العراقي في 35 ساعة فقط. شارك في العملية أكثر من 100 ألف جندي عراقي، مدعومين بأكثر من ألف دبابة و900 مدفع، في واحدة من أكبر عمليات الالتحام البري منذ الح.رب العالمية الثانية. لكن في بعض اللحظات، لا تُقاس الأحداث بما تغيّره على الخريطة، بل بما تكشفه في عمق الوعي. ولذلك، فإن استعادة الفاو لا يمكن قراءتها بوصفها عملية عسكرية ناجحة فحسب، بل بوصفها لحظة أعادت تعريف معنى (التحرير) نفسه من مجرد استعادة تراب إلى استعادة إرادة، ومن كسر احتلال إلى كسر منطق الهزيمة.

غير أن فهم هذا الحدث لا يكتمل دون النظر إلى وظيفته في مسار الح.رب. فلم يكن تحرير الفاو مجرد استعادة موقع استراتيجي، بل شكّل تحولًا في ميزان المبادرة العسكرية، إذ أعاد للعراق القدرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وفتح المجال لعمليات لاحقة أنهت الح.رب عمليًا خلال أشهر. ومن هنا، لا يُفهم الحدث فقط في رمزيته، بل في أثره الواقعي على مسار الصراع.

جاء تحرير شبه جزيرة الفاو في سياق قادسية صدام، التي مثّلت واحدة من أكثر الح.روب استنزافًا في التاريخ المعاصر، حيث لم يكن الصراع مجرد نزاع حدودي، بل صراع إرادات ورؤى حول طبيعة الدولة والهوية في المنطقة.

لفهم معنى التحرير في التجربة العربية، لا بد من العودة إلى التصور الذي بلوره القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق، حيث لا يُفهم التحرير بوصفه حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل بوصفه فعلًا تاريخيًا يعبّر عن نهضة الأمة واستعادة وحدتها وإرادتها. فالأرض، في الفكر البعثي، ليست موضوعًا للسيطرة، بل تعبير عن الوجود القومي ذاته.

في هذا المقال، نحاول قراءة تحرير الفاو من خلال الإطار الذي وضعه المشروع القومي لفهم التحرير، وهو ليس استعادة أرض فقط، بل استعادة قدرة الأمة على الفعل، واستعادة الثقة بأن الهزيمة ليست نهائية، وأن الإرادة يمكن أن تُترجم إلى واقع.

1. التحرير ليس استعادة أرض: (بل استعادة معنى): في القراءة السطحية، يبدو التحرير فعلًا بسيطًا، أرض تُحتل، ومن ثم تُستعاد. لكن في عمقه، التحرير هو استعادة الإرادة، وإعادة بناء الثقة، وكسر منطق الهزيمة. فالاحتلال، في جوهره، لا يسيطر على الأرض فقط، بل يسعى إلى إعادة تعريف الممكن. وحين تُحرَّر الأرض، لا يُستعاد التراب فقط، بل يُستعاد (الحدّ الذي يمكن أن نصل إليه)، ومن هنا، كانت الفاو أكثر من موقع استراتيجي، كانت اختبارًا، في هل يمكن كسر المعادلة التي فرضتها الحرب؟

2. الفاو كفكرة: (لا كجغرافيا): لم تكن الفاو مجرد نقطة على خارطة الجنوب العراقي، بل كانت منفذًا بحريًا، وعقدة استراتيجية، ورمزًا للتماسك الوطني. لكن الأهم من ذلك، أنها تحولت (بعد احتلالها)، إلى معنى للهشاشة، ثم (بعد تحريرها)، إلى معنى للقدرة. وهنا، يتحول المكان إلى فكرة، وتتحول الجغرافيا إلى سؤال وجودي، هل يمكن استعادة ما فُقد؟ أم أن الفقد يتحول إلى قدر؟

3. لحظة قلب الزمن العسكري: في سياق الح.رب الطويلة، لم يكن تحرير الفاو مجرد تقدم تكتيكي، بل كان لحظة كسر لإيقاع الح.رب نفسها. فالزمن العسكري، حين يطول، ينتج نوعًا من (التعوّد على الاستنزاف)، حيث تصبح الخسارة جزءًا من المشهد. لكن ما حدث في الفاو كان العكس (سرعة، وحسم، ومباغتة). وكأن الحدث أراد أن يقول إن الحروب لا تُحسم فقط بتراكم القوة، بل بإعادة تعريف طريقة استخدامها.

4. التحرير كإعادة إنتاج للثقة الجماعية: ليست الجيوش وحدها من تق.اتل في الح.روب، بل المجتمعات أيضًا. وحين يطول النزاع، تتآكل الثقة في النصر، وفي القدرة، وفي المعنى. وهنا، يأتي التحرير بوصفه لحظة نفسية بقدر ما هو عسكرية. فالناس لا يرون فقط أرضًا تعود، بل يرون أن الهزيمة ليست نهائية، وأن التراجع ليس قدرًا، وأن الإرادة يمكن أن تُترجم إلى واقع. وهذا هو المعنى الأعمق لأي تحرير في أن يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وإمكاناته. لكن هذه الثقة لم تأتِ مجاناً، فخلف كل متر تم تحريره، كان هناك دم لشهداء سقطوا، وجرحى حملوا ندوب المعركة إلى بيوتهم، وعوائل فقدت أبناءها لكنها لم تفقد إيمانها. وتشير التقديرات إلى مشاركة عشرات الآلاف من الجنود العراقيين، مدعومين بقوة مدرعة ومدفعية كبيرة، في عملية وُصفت بأنها من أكثر العمليات البرية تعقيدًا في الح.رب. أما الخسائر، فقد كانت مرتفعة من الجانبين، دون وجود أرقام دقيقة متفق عليها، وهو ما يعكس طبيعة المعركة وشدتها.

5. الفاو وسؤال الأمة المؤجل: إذا كان تحرير الفاو قد أعاد تعريف الإمكان على المستوى الوطني، فإنه يطرح سؤالًا أوسع على المستوى القومي لماذا تتحقق لحظات التحرير داخل حدود الدولة، ولا تمتد إلى الفضاء العربي الأوسع؟ هل المشكلة في الإمكانات؟ أم في الإرادة؟ أم في غياب المشروع الجامع؟ فالتاريخ العربي الحديث مليء بلحظات قدرة، لكنها غالبًا ما تبقى معزولة، لا تتحول إلى مسار. وهنا، يصبح التحرير (أي تحرير) ناقصًا، إذا لم يتحول من حدث إلى نموذج.

6. بين التحرير والاستعادة: (الفرق الذي يصنع المستقبل): ثمة فرق دقيق، لكنه حاسم، بين، استعادة الأرض، وتحريرها. فالاستعادة قد تكون فعلًا عسكريًا، أما التحرير فهو فعل تاريخي. الاستعادة تعيد ما كان، أما التحرير فيفتح ما يمكن أن يكون. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لتحرير الفاو لا تكمن فقط فيما أنجزه، بل فيما كان يمكن أن يؤسس له، هل تحوّل إلى بداية؟ أم بقي لحظة مكتملة في ذاتها؟

7. المشروع البعثي: (حين يصبح التحرير وظيفة تاريخية): في هذا الأفق، لا يمكن قراءة معنى التحرير خارج الإطار الأوسع للمشروع القومي، كما صاغه حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي لم يتعامل مع الأرض بوصفها حدودًا سياسية، بل بوصفها امتدادًا لوجود الأمة. وهنا يميز الفكر البعثي بين الدولة بوصفها إطارًا سياسياً مرحليًا، والأمة بوصفها حقيقة تاريخية مستمرة، بحيث لا يُختزل التحرير في حدود الدولة، بل يُفهم ضمن أفق الوحدة القومية الأشمل. فالأرض، في هذا التصور، ليست مجرد جغرافيا تُدار، بل كيان يُحمى، ويُصان، ويُستعاد كلما تعرّض للاختلال. ومن هنا، ارتبط مفهوم التحرير في الفكر البعثي بثلاثية متكاملة:

أ‌. وحدة تُنهي التجزئة،

ب‌. حرية تُنهي التبعية،

ت‌. اشتراكية تُنهي الاختلال الاجتماعي الذي يُضعف القدرة على الصمود.

فلا تحرير بلا وحدة، ولا وحدة بلا إرادة، ولا إرادة بلا عدالة تمنح المجتمع قدرته على التحمل والاستمرار. وفي هذا السياق، لا يكون الدفاع عن الأرض فعلًا ظرفيًا، بل وظيفة تاريخية مستمرة، تُمارسها الأمة عبر مؤسساتها، وجيوشها، ووعيها الجمعي.

8. تحرير الأرض: (ليس فعلًا عاطفيًا بل معادلة معقدة): غير أن تحرير الأرض، في عمقه، لا يتحقق بالرغبة وحدها، ولا بالشعارات مهما بلغت حرارتها، بل هو نتاج معادلة مركبة تتداخل فيها عناصر متعددة:

أ‌. القدرة: جيش منظم، واقتصاد قادر، وبنية دولة متماسكة،

ب‌. الإمكانية: بيئة سياسية تسمح بالفعل، وتحالفات تُدار بوعي لا تبعية،

ت‌. الوعي: إدراك لطبيعة الصراع، ولحدود القوة، ولأهمية الزمن في إدارة المعركة فالأرض لا تُحرَّر فقط حين نريد، بل حين نمتلك شروط الفعل.

وهنا، يتحول السؤال من هل نريد التحرير؟ إلى هل نحن قادرون عليه؟ لأن الإرادة، حين لا تُترجم إلى أدوات، تبقى رغبة، والرغبة، في عالم الصراع، لا تغيّر الوقائع.

9. الفاو كنموذج تفسيري للتحرير: يمكن قراءة تحرير الفاو كنموذج تحليلي لفهم شروط التحرير في السياق العربي، حيث يكشف عن تلازم ثلاثة عناصر: –

أ‌. مركزية الدولة بوصفها أداة تنظيم الإرادة،

ب‌. وحدة القرار العسكري والسياسي،

ت‌. تعبئة مجتمعية تمنح الفعل العسكري عمقه التاريخي.

وبدون هذا التلازم، تتحول محاولات التحرير إلى أفعال جزئية لا تنتج تحولًا استراتيجيًا.

10. التحرير كفعل نهضوي لا كاستجابة عسكرية: في التصور البعثي المتقدم، لا يُفهم التحرير كرد فعل على احتلال، بل كجزء من مشروع نهضوي شامل. فالأمة التي لا تمتلك مشروعًا حضاريًا، قد تنتصر عسكريًا، لكنها تعجز عن تثبيت هذا النصر في التاريخ. ومن هنا، يصبح التحرير الحقيقي هو ذاك الذي يغيّر بنية الواقع، لا ذاك الذي يغيّر حدوده فقط.

خاتمة: حين يصبح التحرير سؤالًا لا جوابًا، لا تُختبر الأمم فقط في قدرتها على القتال، بل في قدرتها على تحويل انتصاراتها إلى معنى. وتحرير الفاو، في هذا السياق، ليس حدثًا نعود إليه للاحتفال، بل سؤالًا نعود إليه للفهم، كيف تتحول لحظة القوة إلى مشروع؟ وكيف ينتقل النصر من الجبهة إلى التاريخ؟ فبعض الانتصارات، إن لم تُفهم، تبقى مجرد ذاكرة، أما إذا فُهمت، فإنها تتحول إلى طريق. فهل نتعلم من الفاو؟ هل نستطيع أن نعيد إنتاج لحظات القوة هذه في واقعنا العربي الممزق؟ الفاو تذكرنا بأن النصر ممكن، لكنه ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فبعض الانتصارات، إن لم تُفهم، تبقى مجرد ذاكرة في كتب التاريخ. أما إذا فُهمت، فإنها تتحول إلى طريق، وإلى مشروع، وإلى أمل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.