مجدي علي
لا أميل إلى القول السائد بأن “المجتمع الفني” مثلًا “مجتمع فاسد”؛ فذلك تعميمٌ سطحي وأحمق لا يصمد أمام التحليل. ما ينطبق على هذا الوسط هو ما ينطبق على أي بنية اجتماعية أخرى، بصالحها وطالحها، غير أن خصوصية هذا المجتمع تحديدًا تكمن في كونه في الواجهة وفي منطقة الضوء دائمًا، حيث تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مادة عامة قابلة للاستهلاك والتأويل والتضخيم.
هذه الواجهة المفتوحة، التي تزداد اتساعًا عبر “السوشيال ميديا”، تخلق اقتصادًا خاصًا للمعلومة: اقتصادًا لا يقوم على الدقة أو القيمة، بل على الجاذبية والانتشار. وهنا تحديدًا تُعاد صياغة الوقائع، لا كما هي، بل كما تُستهلك. وفي هذه العملية، يصبح “الترند” بديلاً عن الحقيقة، أو على الأقل بديلاً عن السياق.
في هذا الإطار، يظهر الخلاف الذي بدأ بين مطربة مشهورة ويوتوبر مشهور هو الآخر، وما تلاه من تراكمات وتوسّعات شملت أطرافًا أخرى، والذي شغل الناس واستحوذ على انتباههم، بوصفه نموذجًا مكثفًا لهذه الآلية. فالنزاع الذي يبدأ في مستوى شخصي محدود، سرعان ما يُعاد إنتاجه داخل فضاء عام واسع، حيث يُعاد تفسيره، وتضخيمه، وإعادة تدويره وفق منطق المنصّات لا منطق الوقائع.
ما يحدث هنا في هذه القضية وأشباهها ليس مجرد انتقال طبيعي للمعلومة، بل إعادة تشكيل لها. إذ تُعاد صياغة التفاصيل الخاصة إلى مادة علنية، ثم إلى مادة صدامية، ثم إلى مادة استقطاب، قبل أن تستقر كـ”سردية عامة” منفصلة عن أصلها الأول. وفي هذه المرحلة تحديدًا، يفقد الخلاف طابعه الشخصي، ويكتسب طابعًا تمثيليًا أكبر من حجمه الحقيقي. وهي آلية ناجحة تتحوّل فيها الخلافات الشخصية إلى مادة عامة، تُعاد صياغتها باستمرار داخل فضاء “السوشيال ميديا” حتى تفقد حدودها الأصلية، وتتحول إلى “قضية رأي عام” تتجاوز حجمها الحقيقي.
الأكثر تعقيدًا أن هذا المسار لا يبدو عفويًا بالكامل. فاستمرار الاشتعال الإعلامي، وتتابع التسريبات والتأويلات، وتعدّد المنابر التي تتغذّى على الحدث، كلها مؤشرات على وجود بنية تُدار فيها عملية الصراع بصورة مستمرة، سواء عبر مصالح مباشرة أو عبر ديناميات انتباه لا مركزية تتحكّم فيها خوارزميات المنصّات ورغبة الجمهور في الاستهلاك السريع.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الواقعة نفسها: من الذي يستفيد من بقاء الحدث مشتعلًا؟ لأن ما يبدو كصراع بين أفراد يتحول تدريجيًا إلى مادة تشغيل دائمة لفضاء كامل، لا يتوقف عن إنتاج الحدث حتى بعد أن يفقد مبرراته الأولى.
الملاحَظ أن إدارة هذا النوع من الأزمات لا تميل إلى الإغلاق بقدر ما تميل إلى إعادة الفتح. فكلما خفت التوتر، ظهرت طبقة جديدة من الرواية أو تعليق أو تسريب يعيد إشعال النقاش من جديد. وكأن هناك منطقًا غير مرئي يحكم دورة الإنتاج: ليس الهدف حل الأزمة، بل إبقاؤها قابلة للاستدعاء.
في هذا السياق، لا يعود الخلاف مجرد حدث، بل يتحوّل إلى نموذج متكّرر لفهم علاقة المجتمع بالمنصّات: علاقة تقوم على التفاعل السريع، والانفعال الأعلى من التحليل، وعلى تحويل الخاص إلى عام دون مسافة نقدية كافية.
وهنا تحديدًا ينبغي التمييز بين مستويين: مستوى الواقعة الأصلية بوصفها نزاعًا شخصيًا، ومستوى إعادة إنتاجها بوصفها مادة إعلامية قابلة للاستهلاك. الخلط بين المستويين هو ما يجعل الجمهور جزءًا من دورة تضخيم لا يملك أدوات ضبطها، لكنه يشارك في استمرارها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن انشغال الجمهور بهذا النوع من الخلافات يطرح إشكالًا أعمق من مجرد التفاعل العابر مع محتوى ترفيهي أو جدلي. فنحن كشعب سوداني أمام واقع اجتماعي وإنساني ضاغط، تُصنّفه تقارير المنظمات الدولية ضمن أسوأ حالات الحروب والنزوح والشتات في العالم، حيث تتداخل آثار العنف مع انهيار البنى المعيشية وتراجع الاستقرار اليومي إلى حدوده الدنيا.
في مثل هذا السياق، يصبح السؤال عن أولويات الوعي العام سؤالًا مركزيًا لا هامشيًا. فالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط النزوح أو فقدان الأمان أو تآكل الخدمات الأساسية تكون أحوج ما تكون إلى توجيه الانتباه نحو إعادة بناء الحياة اليومية، استعادة مصادر الدخل، ترميم العلاقات الاجتماعية، البحث عن استقرار نفسي ومعيشي، ومحاولة الخروج التدريجي من دائرة الأزمات المتراكمة.
غير أن ما يحدث في المقابل هو انزياح متكرّر نحو قضايا استهلاكية سريعة، تُنتج كثافة عالية من التفاعل والانفعال، لكنها لا تُنتج أثرًا حقيقيًا في الواقع. تتحوّل هذه القضايا إلى بدائل رمزية للاهتمام العام، تشغل المساحة الذهنية والوقت الجمعي، دون أن تترك أثرًا بنّاءً يتناسب مع حجم التحديات الحقيقية التي يواجهها الناس.
الأخطر في هذا الانزياح أنه يعيد تشكيل حساسية الجمهور تجاه الأولويات؛ إذ تتساوى القضايا الجوهرية مع التفاصيل الهامشية داخل فضاء واحد من التلقي، تُدار فيه الانفعالات أكثر مما يُدار فيه التفكير. ومع تكرار هذا النمط، تتراجع قدرة الوعي الجمعي على التمييز بين ما هو عابر وما هو مصيري.
لذلك، فإن التعامل النقدي مع هذه الظواهر لا يعني فقط رفض متابعة تفاصيلها، بل أيضًا إعادة ترتيب العلاقة بين الواقع والاهتمام العام. فكل دقيقة تُستهلك في إعادة تدوير ضجيج غير منتج هي دقيقة تُستقطع من زمن ضروري لفهم الواقع الأكثر قسوة وتعقيدًا وعلاجه..
وبهذا المعنى، لا يبدو ما يجري مجرد أحداث عابرة، بل مؤشرًا على اختلال في توزيع الانتباه داخل مجتمع يعيش أصلًا تحت ضغط استثنائي، حيث يفترض أن تُمنح الأولوية لما يخفّف من وطأة الواقع، لا لما يعيد إنتاج ضجيجه بصورة مختلفة.
لذلك، الموقف الأكثر وعيًا لا يقوم على متابعة التفاصيل أو الاصطفاف داخلها، بل على إدراك البنية التي تنتج هذه التفاصيل أصلًا. فليست كل أزمة تستحق أن تصبح مركز اهتمام، وليس كل ضجيج دليلًا على معنى.

Leave a Reply