سلفُنا الصالح.. حين يُضيءُ الشِّعرُ ما عَتِمَ فينا

صحيفة الهدف

د.محمد عبد الله

في زخمِ الأصواتِ التي تملأُ المشهدَ الثقافيَّ اليوم، وبين سيلِ المنشوراتِ والقصائدِ التي تستهلكُها المنصّاتُ قبل أن تستهلكَ أصحابَها، تلوحُ وصيّةٌ تبدو كأنّها آتيةٌ من زمنٍ آخر، لكنّها في حقيقتِها أكثرُ اتصالًا بحاضرِنا ممّا نظنّ:
“اهتمّوا بإدريس جماع والتيجاني يوسف بشير.. فهؤلاء سلفُنا الصالح”.
قالها الراحلُ محمود محمد طه لا بوصفِهما شاعرينِ عابرينِ في سجلِّ الأدبِ السوداني، بل بوصفِهما جذورًا حيّةً لوعيٍ لم يكتمل، ومشروعًا إنسانيًّا انقطع قبل أن يبلغَ مداه. كأنّ الوصيّةَ كانت تعرفُ مصيرَها، فتختارُ لنفسِها أن تبقى نداءً خافتًا يتردّدُ في الهوامش، منتظرًا من يُصغي إليه.
ليس من السهل أن تكتبَ عن الراحلِ إدريس جماع دون أن تشعرَ أنّك تقتربُ من حافةٍ شفّافةٍ بين العبقريّةِ والانكسار. في ظاهرِ شعرِه رقّةٌ مألوفة، ولكن في عمقِه قلقٌ وجوديٌّ كثيف، وحساسيّةٌ مفرطةٌ تجعلُ صاحبَها يرى من العالم أكثرَ ممّا يحتمل. لم يكن شاعرَ الطبيعةِ فحسب، كما درج التصنيفُ السهل، بل كان شاعرَ تلك الشفافيّةِ التي تكادُ تتحوّل إلى جرح.
في قصائدِه، تبدو الطبيعةُ أقلَّ من كونِها مكانًا، وأكثرَ من كونِها حالةً يُرادُ استعادُتُها. يكتبُ كمن يبحثُ عن منفذٍ من ضيقِ العالم إلى فسحةٍ أبعد، وكأنّ اللغةَ عنده ليست وسيلةَ تعبيرٍ بقدرِ ما هي محاولةُ نجاة. وحين تضيقُ الرؤيةُ بصاحبِها، لا يبقى أمامه سوى الشعر.. أو العتمة.
أمّا الراحلُ التيجاني يوسف بشير، فكان اشتعالًا مبكّرًا لا يشبه سواه. لم يعش طويلًا، لكنّه ترك في اللغةِ أثرًا كثيفًا، كندبةٍ لا تُمحى. في (إشراقة)، لا نقرأُ قصائدَ بقدرِ ما نُصغي إلى محاولةٍ لإعادةِ صياغةِ العالم من جديد. كان مشغولًا بالأسئلةِ الكبرى: الإنسان، الله، الوجود. تلك الأسئلةُ التي تأتي عادةً متأخّرةً، جاءتْه باكرًا، كأنّ العمرَ اختُصِر ليبلغَ جوهرَه.
يكتبُ التيجاني على حافةٍ دائمة: حافةِ اليقين، حافةِ الانكشاف، حافةِ المعنى وهو يتشكّل ثم يتوارى. أقلَّ حنينًا من جماع، وأكثرَ قلقًا، يواجهُ الحقيقةَ حتّى وهو يدركُ قسوتَها. وإذا كان الأوّلُ قد احتمى بالجمال، فإنّ الثاني آثر أن يختبرَ الاحتراق.
بينهما، يتجلّى مسارانِ متوازيان: أحدُهما ينحدرُ ببطءٍ نحو الداخل حتّى يكادَ يختفي، والآخرُ يصعدُ متوهّجًا حتّى يلامسَ حدودَه القصوى. لكن كليهما، في نهايةِ الأمر، كان يدفعُ ثمنَ الحساسيّةِ نفسِها؛ تلك الهبةُ الملتبسةُ التي تفتحُ البصيرةَ بقدرِ ما تُثقلُ الروح.
لهذا يصعبُ قراءةُ أحدِهما بمعزلٍ عن الآخر. فهما، على نحوٍ ما، وجهانِ لعملةٍ واحدة: عملةِ الروحِ السودانيّةِ في لحظةِ تشكّلِها الحديثة، بين إرثٍ تقليديٍّ وضغطِ حداثةٍ لم تستقرّ بعد. بين صوتٍ يبحثُ عن صفاءٍ مفقود، وآخرَ يُطاردُ معنىً يتفلّت، تتشكّلُ ملامحُ تجربةٍ أدبيّةٍ لا تزالُ راهنةً.
العودةُ إليهما اليوم، في زمنِ الضجيجِ والاستعراض، ليست حنينًا إلى ماضٍ أدبيّ، بل شكلٌ من أشكالِ المقاومةِ الهادئة. ليس لأنّهما يقدّمانِ إجابات، بل لأنّهما يفتحانِ البابَ على أسئلةٍ نتفاداها: كيف نكونُ حسّاسين دون أن ننكسر؟ كيف نرى بعمقٍ دون أن نغرق؟ وكيف نكتبُ دون أن نفقدَ أنفسَنا في الكتابة؟
ليست هذه أسئلةً أدبيّةً خالصة، بل أسئلةُ حياة. وهي تزدادُ إلحاحًا في زمنٍ صار فيه الإنتاجُ أسرعَ من التأمّل، والحضورُ أوسعَ من الأثر، حيث تتحوّل الكتابةُ أحيانًا إلى سلعةٍ عابرة، ويغدو الشعرُ مادّةً للاستهلاك أكثرَ منه تجربةً للعيش.
ما يقدّمه جماع والتيجاني لا يتعلّقُ بالشعرِ وحده، بل بنوعِ الصدقِ الذي يضعُ الإنسانَ في مواجهةِ نفسِه. يُذكّرانِنا بأنّ الشعرَ ليس ترفًا لغويًّا، بل محاولةُ نجاة، وأنّ القيمةَ لا تُقاسُ بكمّ ما نكتب، بل بعمقِ ما نترك. في زمنٍ يُقاسُ فيه النجاحُ بالأرقام، تبدو تجربتُهما شهادةً على أنّ الأثرَ الحقيقيّ لا يُرى فورًا، لكنّه يبقى.
قصائدُ كثيرةٌ تولدُ كلَّ يومٍ وتموتُ في يومِها، لكن ما كُتب من ذلك الموضعِ العميق يظلّ قادرًا على العبور. ليس لأنّه أمتنُ صنعةً، بل لأنّه كُتب من حياةٍ دُفِع ثمنُها كاملةً.
هكذا تبدو وصيّةُ الأستاذِ محمود محمد طه أقلَّ انشغالًا بالماضي، وأكثرَ اتصالًا بالمستقبل. كأنّها تقول: إن أردتم أن تفهموا أنفسَكم، فعودوا إلى هؤلاء. ففيهم شيءٌ ممّا كنتم، وشيءٌ ممّا يمكن أن تكونوا عليه.
ليسوا مجرّدَ شاعرينِ في تاريخِ الأدب، بل إشارتينِ إلى إنسانٍ ممكن: إنسانٍ يضعُ الجمالَ في مواجهةِ القبح، والسؤالَ في مواجهةِ اليقينِ الجامد، والروحَ في مواجهةِ خشونةِ العالم.
وفي زمنٍ تتهاوى فيه اليقينيّات، وتعلو فيه الأسئلة، يظلّ شعرُهما نافذةً مضاءة. لا لأنّه يمنحُنا أجوبةً، بل لأنّه يمنحُنا شجاعةَ السؤال.. وتلك، ربّما، أثمنُ الوصايا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.