زكريا نمر
لا يمكن فهم سيطرة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي بوصفها مجرد انتقالٍ في السلطة أو تبدلٍ في النخب الحاكمة. فالأمر أعمق من ذلك بكثير، إنه انتقالٌ في طبيعة الدولة نفسها من كونها فضاءً للتعاقد السياسي، إلى كونها جهازًا صلبًا لإدارة الحياة بالقوة. لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل يصبح السؤال الأكثر جوهرية: ماذا تبقى من السياسة حين تختزل الدولة في منطق السيطرة؟
في هذا الواقع لا يظهر الحكم العسكري كحادثٍ تاريخيٍ منفصل، بل كعرضٍ فلسفيٍ لأزمةٍ أعمق: أزمة المعنى السياسي، وتآكل فكرة المواطنة، وانهيار القدرة على تخيل الدولة كمساحةٍ مشتركةٍ بين المختلفين. في التصور الفلسفي الكلاسيكي، السياسة هي فن إدارة الاختلاف داخل جماعةٍ بشريةٍ تسعى إلى العيش المشترك. لكنها في الحالة العسكرية تتحوّل تدريجيًا إلى تقنية ضبط، أي إلى مجموعة أدواتٍ لإدارة السلوك البشري كما تدار الآلة.
يحدث انزياحٌ خطيرٌ من المواطن إلى عنصرٍ قابلٍ للإدارة، من الحوار إلى الأمر، من التعدّد إلى التوحيد القسري، ومن الشرعية إلى الفعالية الأمنية. هذا التحوّل يعكس ما يمكن تسميته بتكنولوجية السلطة، حيث تصبح الدولة أقرب إلى جهازٍ ميكانيكيٍ يهدف إلى تقليل الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب المعنى نفسه.
في الأنظمة التي تهيمن فيها المؤسسة العسكرية، لا يكون العنف مجرد أداةٍ خارجيةٍ تستخدم عند الضرورة، بل يتحوّل إلى لغةٍ ضمنيةٍ للدولة. إنه ليس استثناءً، بل بنية. فالدولة لا تقول: أنا أحميك، بل تقول ضمنيًا: أنا أراقبك كي لا تنحرف. وهذا الفرق الفلسفي بين الحماية والمراقبة هو ما يفصل بين الدولة المدنية والدولة الأمنية.
وفق هذا المنطق، يصبح القمع ليس انحرافًا عن الدولة، بل تعبيرًا دقيقًا عن جوهرها الجديد: دولةٌ ترى في المجتمع احتمالًا دائمًا للخطر لا شريكًا في البناء.
يرى الفيلسوف الحديث أن السياسة لا توجد إلا حيث يوجد فضاءٌ عام يسمح بتداول الأفكار والاختلاف. لكن في ظل عسكرة الدولة، يحدث تفكيكٌ تدريجيٌ لهذا الفضاء. يتم اختزال الإعلام إلى خطابٍ واحد، وتهميش المعارضة أو تجريمها، واستبدال النقاش بالخطاب الرسمي، وإعادة تعريف الحقيقة وفق منظور السلطة.
هنا لا تُلغى السياسة صراحةً، بل تُفرغ من معناها. تصبح السياسة مجرد إدارةٍ شكليةٍ لما تم حسمه مسبقًا في مكانٍ آخر: في المؤسسة الأمنية. وهكذا تموت السياسة ليس بالصمت، بل بالضجيج المكرر.
في هذا النموذج، لا تكتفي الدولة بإدارة السلطة، بل تتحوّل إلى جهاز سيطرةٍ شاملٍ يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه. يعمل هذا الجهاز عبر إنتاج الخوف كحالةٍ دائمة، وإعادة تعريف الوطن ككيانٍ مهددٍ باستمرار، وتحويل المواطن إلى موضوع مراقبة، وإعادة صياغة التاريخ والذاكرة وفق سردية السلطة.
في هذه الحالة، لا تعود الدولة إطارًا محايدًا، بل تصبح مشروعًا لإعادة هندسة الإنسان داخل حدودها.
حين تتغلغل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، لا يحدث ذلك فقط بدافع السيطرة على الموارد، بل ضمن منطقٍ أعمق: تحويل الحياة الاقتصادية إلى امتداد مباشر للسلطة. تصبح الفرص مرتبطة بالقرب من السلطة، ويعاد تعريف النجاح كنتيجةٍ للولاء لا للكفاءة، وتختزل التنمية إلى مشاريع خاضعة للمنطق الأمني.
هكذا يفقد الاقتصاد استقلاله الرمزي ويتحوّل إلى أداةٍ لإعادة إنتاج السلطة لا لتوزيع الثروة، ويختزل الإنسان إلى وحدة إنتاجٍ قابلةٍ للإدارة. يتم تقليص المواطن تدريجيًا من فاعلٍ سياسيٍ إلى موضوع حكم. في الدولة المدنية، المواطن يشارك في إنتاج القرار، أما في الدولة العسكرية فهو يعاد تشكيله ككيانٍ يُدار ضمن منظومة أمنية. يتحوّل من شخصٍ يشارك في المعنى السياسي إلى احتمال اضطراب.
هنا يحدث اغترابٌ عميقٌ بين الفرد والدولة، حيث لا تعود الدولة تعبيرًا عنه، بل قوةً خارجيةً تحكمه.
الانهيار في هذا النموذج لا يحدث فجأةً، بل هو نتيجة منطقٍ داخلي. فكلما زادت السيطرة تقلصت القدرة على الاستجابة، وكلما تقلصت المشاركة ضعفت الشرعية، وكلما ضعفت الشرعية ازداد الاعتماد على القوة، حتى تصل الدولة إلى حلقةٍ مغلقة: قوةٌ بلا معنى.
في هذه اللحظة تصبح الدولة قويةً شكليًا لكنها فارغة وظيفيًا. في تجارب مثل ميانمار وباكستان والسودان ومصر، يظهر هذا المنطق بأشكال مختلفة، لكنه يلتقي في جوهرٍ واحد: الدولة تتحوّل تدريجيًا من مشروعٍ سياسيٍ إلى جهاز إدارةٍ قسريٍ للمجتمع، وتفقد قدرتها على إنتاج توافقٍ وطنيٍ حقيقي، وتظل معلقة بين الاستقرار الظاهري والاضطراب البنيوي.
في عمق هذه الأزمة، لا تكمن المشكلة فقط في المؤسسة العسكرية، بل في غياب رؤيةٍ وطنيةٍ جامعة. حين لا توجد رؤية واضحة لهوية الدولة ومعنى وجودها، تصبح الدولة مجرد جهاز إدارة، والمجتمع مجرد تجمع أفراد، والسياسة مجرد صراع قوة، ويغيب السؤال الأساسي: لماذا توجد الدولة أصلًا؟
هذا الفراغ الفلسفي هو ما يسمح بتحوّل الدولة إلى أداة بدل أن تكون مشروعًا مشتركًا.
استعادة السياسة في هذا الواقع ليست مسألة إصلاح إداري، بل عملية إعادة تعريف الدولة نفسها، أي إعادة السياسة كفضاءٍ للاختلاف لا كأداة ضبط، والمواطن كفاعلٍ لا كموضوع، والدولة كعقدٍ لا كآلة، والسلطة كمسؤوليةٍ لا كامتياز.
بدون ذلك، ستظل الدولة تدور في حلقة مغلقة، كلما حاولت أن تحكم أكثر، فقدت قدرتها على أن تكون دولةً بالمعنى الحقيقي، لأن السلطة التي تُبنى على القوة وحدها تنتهي إلى فقدان المعنى نفسه.
فالدولة ليست مشروع قوة، بل مشروع توافق. وحين تختزل في القوة وحدها، تبدأ في فقدان معناها تدريجيًا، حتى تصل إلى لحظة يصبح فيها بقاؤها شكليًا أكثر من كونه فعليًا.
– كاتبٌ من جنوب السودان

Leave a Reply