اعترافات نهاية العالم: أوراق وُجدت في مقابر الشيخ فرح ود تكتوك (حلّال المشبوك)، شرقي سنار، بعد اندحار جائحة كورونا سنة (2027)

صحيفة الهدف

د.معاوية الشفيع

خياراتي في الحياة كانت عشوائية؛ صادف أن بعضها كان يندرج تحت “طائلة” الخير، وبعضها كان “ما كويس”..
أنا لا أؤمن بـ”الشر” المحض، ورغم أن الإنسان ابنُ ظروفه، ورغم أن جورج أمادو، في إحدى رواياته، قال إن العذاب لا يصنع شخصًا فاضلًا، إلا أن في السودان كثيرًا من الفاضلات والأفاضل تخرجوا من مستنقعات العذاب، والفاضل، على فضل، مات فاضلًا تحت العذاب.. المهم أنني تعايشت مع ذلك.
يقول الفرنجة، عندما يغلبهم السكوت عن سلوك شخص أدى لنتائج ضارة بالآخرين: “أنت (هبّبت) كده وكده، مما أدى لكده وكده،
So, live with that (تعايش مع ذلك)..
أما نحن فنقول، ربما لنفس الشخص: (خُم وصُر)، إن وقع خطأ أو سوء فعله، عليه هو أيضًا..
ما علينا، أنا تعايشت، وخمّيت وصرّيت، ولله الحمد والمنّة.
غير الجينات، من جهة أبي، شكّلت شخصيتي تأثيراتٌ كثيرةٌ متباينة، أهمها أمي، لها الرضوان، وقد حاولت أن تعلّمني الكثير المفيد من قيم الحب والحق والخير والجمال، التي تقول إن الدين يزخر بها. لكني لست متأكدًا أنني عملت بما علّمتني، وإن كنت قد استوعبت منها كثيرًا تجريديًا فقط.
حتمًا لست أنا الإنسان الذي أرادتني أن أكون، وهذا تقصيري أنا طبعًا، لكنها انتقلت إلى جوار ربها وهي تظن أني “رجل صالح”، وهذا، كما لا يخفى عليكم، ليس الحقيقة، وإنما قلب الأم المحب صوّر لها ذلك.
بالإضافة إلى عائلتي، كثيرون، نساءً ورجالًا، مرّوا على حياتي، كانوا أصحاب تأثيرات إيجابية على الناس؛ أنا أدرك ذلك بعقلي فقط، أما تغلغل قيمهم الطيّبة في دواخلي، وانعكاساتها على سلوكياتي، ففيه شك كبير.
لمدن وأماكن: الرصيرص، إشلاقات البوليس، والجامعة، على سبيل المثال، لها سحر عظيم، وهي، في قناعتي وفي الغالب، تخرج قومًا محبين للخير، فاعلين له، شاعرين بالغير، خادمين لهم. ومرة ثانية، ويا لأسفي، أظن أنني لم أتشرّب خيرهم، لدرجة صبغ تصرفاتي،كما ينبغي.
ساعدني كثيرون في حياتي، رغم أنني، ربما، لم أهضم مساعداتهم وأترجمها قمحًا أو وعدًا وتمنّيًا، لكني لست كالقائل:
“كيف قيّضت لي الصدف قومًا، أخذوا بيدي في كل مرحلة، قوم لم أكن أحس تجاههم بأي إحساس بالجميل، وكنت أتقبّل مساعداتهم كأنها واجب يقومون به نحوي”.
لا، لست مثله؛ أحسّ تجاههم بالامتنان، وكنت أتمنى أن يمتد بي العمر لأعبّر لهم فعليًا عن ذلك، “لولا أن لكل أجل كتاب”، كما قال شاعرنا المبدع الراحل عبد الله محمد خير”.
خلاصته أنني، الآن، كما أنا: زول ساي، “لا أهش ولا أنش”. إذا فرحت قد يفرح أولادي وبعض أقاربي، وإن غضبت فلن تغضب ثلاثة سيوف، ناهيك عن المائة ألف سيف التي تغضب لغضب الأحنف بن قيس مثلًا.
في الأسابيع الفائتة قرأت إفادة، كجرد حساب، لـ(ناظم حكمت)، قال فيها الكثير الذي خلص منه، وأوافقه عليه، أنه عاش كإنسان، رغم أن مواصفات الإنسانية باهظة عنده.
أكثر ما أعجبني في كلامه أنه قال: “شربت، لكن ليس كل يوم”،
و”كذبت قلقًا على آخرين، وكي لا أؤذي أحدًا”، و”خدعت حبيباتي”.
أنا، والحق يقال، لم أخدع حبيباتي، ولم أخنهن؛ على العكس من ذلك، كنت أقول للواحدة، عندما تهجرني، قول (حِمِّيد):
يا مواثيقي التلاتي،
الساندي سعن الدنيا، سيبي
في الصبر رواب حياتي،
وماكِ أولَن التسيبي
في صقيعة الليل رؤاي
تلفحي القمرة، وتغيبي
وياما غابن من سماي
وما اتلقن كمين حبيبي.
ربما سينتهي العالم قريبًا، بفعل كورونا، أو (كوزونا)، هادمة المعبد بمن فيه، أو قنبلة ذرية، أو كائنات فضائية، وربما سأموت جسديً، فالموت الآخر حدث منذ زمن، أموت أنا فقط..
المهم أنني سأذهب إلى حيث في (نحن والردى): (ثم هل عاد أحد؟)، بتعبير صلاح أحمد إبراهيم، أكثر الشعراء السودانيين سودانية، كما وصفه الطيب صالح.
سأذهب غير مخلّف أثرًا بعد عين، وفي قلبي حسرة خائب لم يزر تلك الأماكن التي كان لا بد أن تُزار، ولم يقرأ الكتب التي كان لا بد من قراءتها، وظلّت صحائف عمره غير بيضاء، لكنه ما كتب فيها جملًا واضحة بخط جريء مثل الأبطال والفرسان.
أرجوكم، إن مت ومكثتم، اكتبوا على قبري: “هنا يرقد زول ساي، دخل الدنيا باكيًا، وخرج منها لا مباليًا، ولم يخلّف شيئًا مما ينفع الناس”.
وتذكّروا جيدًا، بالله عليكم، أنكم طالما ظلمتم (ديك البطانة)..

#ملف_الهدف_الثقافي #معاوية_الشفيع #اعترافات_نهاية_العالم #فرح_ود_تكتوك #أدب_سوداني #فلسفة_العدم #نقد_الذات #سنار #الرصيرص #الهدف_الثقافي #حِمِّيد #صلاح_أحمد_إبراهيم #الوعي_السوداني #زول_ساي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.