فاطمة أوشيك
كتبتُ مرارًا، وسأكتب تباعًا عن الحج، هذه السياحة الدينية موغلة الروحانية والرأسمالية على حد سواء؛ لأنك لأن تحج أو تعتمر عليك أن تشبع بطنك أولًا، ولأن في القرآن الكريم أيضًا تم التشجيع على الحج كركن غير أساسي كونه مربوط بالاستطاعة. ولكن كيف نعزل الاستطاعة عن الحنين والحرب ورغبتنا في التشافي روحانيًا؟ كيف نعرفها حين تكون مستلفة، مستجلبة أو مصنوعة لأجل هذه الرحلة فقط؟
هذه الهموم الجاثمة على صدور المسلمين والمسلمات، ورومنسية الحج ذاته، تجعل منه حدثًا يُكتب في أهداف السنة المقبلة كأحد الأحلام، كون الحج والاعتمار وتاريخهما يحملان ثقلًا دينيًا مدفوعًا بالحنين والحب نحو الرسول صلى الله عليه وسلم، وآل البيت، والله تعالى في ذاته.
لكن في حقيقة الأمر، أود لو تكن هنالك دراسات تقيس عدد الحجّاج والحاجّات، والمعتمرين والمعتمرات صوب بيوت الله المقدسة، وهل هنالك أي علاقة طردية بينها وبين ازدياد الحروب والأمراض والتظلّمات حول العالم.
يذهب منا المرء بكل ما يحمله من أوجاع سلطوية، لا تنفصل عن الديناميكيات الحالية للحج ذاته والاعتمار.
يذهب منا المرء حاملًا دعوات نحو رئيس يسفك الدماء، ليفاجأ بذات الرئيس في ذات البقعة الطاهرة، لكنه على غير بقية العباد، محاطًا بحشر غفير من الحماة والناس؛ لوهلة، بتقمّصك إحساس أنه المعبود لا المتعبّد، وأنه المطاف حوله لا الكعبة.
يذهب المرء ليدعو لشهيد ارتقت روحه في حرب فاقمتها ذات القوى التي هي موكّلة بصون بيت الله الحرام، أو يذهب ليدعو لنصرة ثوار وثائرات يثورون على ذات القوى أو قوى مختلفة قليلًا عن السياق. يذهب، وهو الفائز بهذه التذكرة الروحانية ذاتها كورقة يانصيب، كونه الأكثر ارتشاء في قسم حكومي، ويضبط الأمن ويجعل الرئيس آمنًا تحفّه الحماية من كل مكان.
قد يذهب آخر الحج، لا محتجًا، كونه هدية لطيفة استقبلها عبر دولته، ثمن روح ابنه الذي قتل على نظام غادر.
أو يذهب مثلًا في تفويج جماعي نتيجة محاباة في هيئة حكومية لمجموعات بعينها، توحّدها قبيلة أو مصلحة مشتركة، ويدفع بالتقسيط المريح، لكنه أيضًا يحج كل عام لذات الأسباب.
على صعيد آخر، يؤجل رجل من قرية قصية أحلامه بالزواج من امرأة يحبها على سنة الله ورسوله، لأنه فعل كل شيء تجاه أسرته من تأسيس المنزل وتزويج إخوته، وأخيرًا تحجيج والدته ووالده ثمنًا لما بذل من محبة في تربيته ورعايته وجعله طبيبًا مميّزًا، رغم ذاك الفقر.
على ذات الطريقة، هنالك امرأة في مكان ما، يتيمة من كل شيء عدا مبلغ من المال يساوي سعر الحج ومصاريفه فقط لا غير؛ امرأة ليس لها رجل يتولى أمرها، وحيدة والديها المتوفيين، عزلها رجال الأسرة وهضموا ميراثها تعصيبًا وعصبانية. لكن قلبها ظل معلّقًا بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. تخلت عن أملها وحلمها الأخير في زيارة بيت الله الحرام، لأن الدولة وقتها لا تكترث لهذه الملابسات السياقية، لا تفهم حقًا كم عامًا أفنته في جمع المال في هذا الحلم. ولأن رجلًا لم يطرق بابها للزواج على السنّة والشرع، صنعت كعبة صغيرة ظلّت تطوف حولها، وتتخيّل أجواء مكة والمدينة، مهرولة ما بين الأمس واليوم، تتقمّص الصفا والمروة، وتتقمّصها الحسرة حين تغيّرت القوانين وصحتها على حد سواء، لتقفل هذا الباب مرة أخيرة، وإلى الأبد.
على صعيد آخر من الحزن، أحدهما، بعد أن دمر خادم الحرمين الشريفين، بعد أن خدم الحرب في بلده، صار جواز سفره منبوذًا، وصديق له من دولة مجاورة جوازه ساري، لكنه معارض للمملكة، يخشى أن يذهب مرة أخيرة، وإلى الأبد، إن شاور نفسه في الذهاب إلى الحج.
لذا، وبشكل أو بآخر، لا شيء يثبت أن هذه الشعيرة أصبحت آلية سياسية أكثر من مشهد حج الرؤساء. نراهم، أولئك الذين غرقوا في دماء شعوبهم، والذين أحالوا بلادنا إلى مقابر مفتوحة، يطوفون بالبيت محاطين بحاشية تمنع الفقير من الاقتراب، وتُفرغ لهم الصحن، وكأن المقدس يُباع ويُشترى بالولاءات.
لا يقصدون توبةً، لكنها الشرعية من أتت بهم إلى هنا.
يستخدمون الكعبة كصك غفران سياسي لإعادة تدوير صورهم أمام العالم، بينما خزنة الدولة الواحدة، خزنة الرجل الواحد، ترحب بهم طالما أن المصالح والتحالفات الإمبريالية مستمرة. إنها تجارة بائسة بدموعنا، حيث يعود الظالم كيوم ولدته أمه في إعلامه الموجه، بينما تظل، آثمة خارجة عن حكمه، شعوبه يتيمة، مشردة، وجائعة.
#ملف_الهدف_الثقافي #فاطمة_أوشيك #الحج #الروحانية #السياسة_والدين #نقد_ثقافي #العدالة_الاجتماعية #السودان #مكة #الاستطاعة #حقوق_المرأة #صكوك_الغفران #الرأسمالية_الدينية #لا_للحـ.رب #الهدف_الثقافي

Leave a Reply