ضد “التمـ.ييز المؤسسي” في التعويضات: بورتسودان تنتفض.. ((542)) خبيراً ومهندساً بترولياً بين مطرقة “الصينية” وسندان “الطاقة”

صحيفة الهدف

بورتسودان:  المحرر الاقتصادي

في الوقت الذي يراهن فيه السودان على تعافي قطاع النفط كشريان اقتصادي رئيس، كشفت وقفات احتجاجية نفذها مهندسو وموظفو شركة (بتروانرجي)، الذراع الاستثماري للشركة الصينية العالمية للبترول (CNPC) عن شرخ عميق في جدار الحماية القانونية والعمالية للكوادر الوطنية.
الوقفة التي نُظمت في السابع من أبريل الجاري بمدينة بورتسودان، عاصمة ولاية البحر الأحمر، لم تكن مجرد تجمّع مطلبي عابر، بل حملت رسالة صارخة ضد ما وصفه المشاركون بـ”التمييز المؤسسي” الذي مارسته وزارة الطاقة والنفط بحقهم، بالتزامن مع ما اعتبروه “تفلتًا” من الشريك الصيني من الالتزامات القانونية المحلية. للإشارة: تواصلت المنصة مع وزارة الطاقة والنفط وشركة (بتروانرجي) للحصول على ردود فعل قبل النشر، ولم تتلقَّ ردًا حتى لحظة تحرير هذا التقرير.
أرقام صادمة
تعود جذور الأزمة إلى 30 يونيو 2025، حين اتخذت شركة (بتروانرجي) قرارًا بتسريح 542 موظفًا وخبيرًا سودانيًا، وهو رقم يعادل نحو 60% من إجمالي الكفاءات الوطنية العاملة في الشركة.
وبررت الشركة القرار بـ”الظروف القاهرة” و”توقف النشاط التشغيلي”، لكن مراقبين وخبراء في قانون العمل يرون أن الإجراء اتسم بالتعسف لعدة أسباب، أبرزها:
– استمرار عقود الامتياز الموقعة مع الحكومة السودانية.
– وجود وعود حكومية سابقة بحماية الكوادر الوطنية في قطاع البترول.
– غياب أي حوار مجتمعي أو نقابي قبل اتخاذ قرار التسريح الجماعي.
(شارف) vs (بتروانرجي)
أبرز ما أثار غضب المفصولين هو الفارق الصارخ في التعويضات بين شركتين تعملان في القطاع نفسه وتخضعان لنفس اللائحة. وفقًا لوثائق حصلت عليها المنصة:
البند شركة (شارف) (حكومية): 9 أشهر كاملة
شركة (بتروانرجي) (صينية): شهر واحد فقط
الأساس القانوني: القرار رقم (68) لعام 2024 مقابل قرار داخلي من الشركة
الالتزام باللائحة الموحدة: ملتزمة بشكل كامل مقابل مخالفة صريحة
ويصف خبراء قانون العمل هذا التفاوت بأنه “نسف صريح” لمبدأ المساواة الذي تكفله لائحة الخدمة الموحدة للعاملين بمؤسسات البترول، محذرين من أن استمرار هذا الوضع يهدد الاستقرار الوظيفي في القطاع بأكمله، ويجعل الكفاءة السودانية رهينة لمزاجية المستثمر الأجنبي.
 الوعود “الحبيسة”
المفصولون لم يقفوا مكتوفي الأيدي. فور صدور قرار الفصل، بدأوا سلسلة من المخاطبات والاجتماعات مع وزارة الطاقة والنفط. آخر تلك الاجتماعات كان مع الوزير المكلف وإداراته المعنية، وذلك قبل نحو عشرة أشهر من تاريخه.
لكن المفصولين يؤكدون أن جميع الوعود التي قُطعت لهم بقيت “حبيسة الأدراج”، دون أي إجراءات تنفيذية على الأرض. هذا الصمت الحكومي، وفقًا للمفصولين، يغذي الاتهامات بوجود ضغوط تمارسها الشركة الصينية على الوزارة بهدف تقليل تكلفة التسريح على حساب الحقوق المشروعة للعاملين السودانيين.
أين ذهبت ميزانيات العلاج؟
في خطوة تصعيدية لافتة، لم يكتفِ المفصولون بالمطالبة بالتعويض المادي العادل، بل فتحوا ملفًا جديدًا وأكثر حساسية: ميزانيات العلاج والمسؤولية الاجتماعية. وفقًا لمذكرة رُفعت للجهات المعنية خلال وقفات الأسبوع الجاري، كشف الموظفون المفصولون عن وجود ميزانيات علاجية ضخمة، قدرت بملايين الدولارات، كانت مرصودة خلال السنوات الثلاث الماضية لتغطية النفقات الطبية للعاملين وعائلاتهم.
المفصولون يؤكدون أن هذه الميزانيات “ذهبت أدراج الرياح”، وأنهم اضطروا لتحمّل نفقات علاجهم من جيوبهم الخاصة، في ظل ظروف أمنية واقتصادية بالغة الصعوبة، دون أن يحصلوا على أي دعم من الشركة أو الوزارة.
مطالب عاجلة 
تلخصت مطالب لجنة المفصولين، والتي وضعوها أمام مجلسي السيادة والوزراء، في ثلاث نقاط جوهرية:
المطلب الأول: المساواة في التعويض: تطبيق سابقة شركة (شارف) كحد أدنى، وصرف تعويض لا يقل عن 9 أشهر لجميع المفصولين، أسوة بزملائهم في الشركات الحكومية.
المطلب الثاني: التسوية التأمينية: معالجة الفجوة في اشتراكات المعاشات والتأمينات الصحية طوال فترة عملهم بالشركة، لضمان مستقبل كريم لأسرهم بعد الفصل.
المطلب الثالث: استرداد النفقات العلاجية: تعويض العاملين عن جميع النفقات الطبية التي تحملوها من جيوبهم الخاصة، مع تدقيق ميزانيات السنوات الثلاث الماضية وكشف مصير الملايين التي رُصدت لهذا الغرض.
خيارات المفصولين
مع استمرار تجاهل مطالبهم، بدأ المفصولون يدرسون خيارات متعددة، تتراوح بين:
التصعيد النقابي: تحويل الوقفات الاحتجاجية إلى إضراب شامل عن العمل، قد يشل ما تبقى من قطاع الطاقة.
اللجوء للقضاء: رفع دعاوى جماعية ضد شركة (بتروانرجي) أمام المحاكم السودانية.
المسار الدولي: مخاطبة منظمة العمل الدولية (ILO) والسفارة الصينية في الخرطوم.
الضغط الإعلامي: مواصلة نشر القضية في المنصات المحلية والدولية.
خبراء قانونيون يرجحون أن الخيار الأكثر فعالية في الظروف الراهنة هو المسار المزدوج: الضغط الإعلامي المكثف + التدخل السياسي المباشر من مجلس السيادة، باعتبار أن القضاء السوداني يعاني من ضعف في ظروف الحرب، والتحكيم الدولي مكلف ويحتاج إلى بنود تعاقدية غير متوفرة غالبًا.
الانعكاسات الاقتصادية
تتجاوز أزمة الـ 542 خبيرًا بتروليًا بعدها الحقوقي الضيق، لتتحوّل إلى مؤشر خطير على بيئة الاستثمار في السودان. فالتمييز في التعويضات بين شركة وطنية وأخرى أجنبية، وعدم قدرة وزارة الطاقة على إلزام الشريك الصيني بتطبيق لائحة الخدمة الموحدة، يرسل إشارات سلبية متعددة لمجتمع الاستثمار الدولي:
ضعف حماية العمالة الوطنية: يفهم المستثمر الأجنبي أن الكفاءة السودانية غير محمية قانونيًا، مما يسهل عمليات التسريح التعسفي بتكلفة زهيدة.
غياب الحوكمة في القطاع النفطي: عندما تفلت شركة كبرى مثل CNPC من الالتزام باللوائح المحلية، فهذا يعني أن إدارة القطاع تخضع للتفاوض الفردي لا للقانون.
تكاليف خفية على الاقتصاد: ميزانيات العلاج “الضائعة” والاشتراكات التأمينية غير المسددة تمثل خسارة مباشرة للأسر السودانية، تتحوّل بدورها إلى أعباء على الدولة ومؤسسات الضمان الاجتماعي.
تآكل رأس المال البشري: كل خبير يُفصل بهذه الطريقة قد يهاجر أو يخرج من سوق العمل، مما يعني خسارة الدولة لاستثماراتها في تعليمه وتدريبه (تقدر بمئات الآلاف من الدولارات لكل خبير).
إن استمرار هذه القضية دون حل يُضعف موقف السودان التفاوضي مع الشركاء الأجانب في المستقبل، ويُظهر ثغرة في حماية الكوادر الوطنية، وهي رسالة لا تليق بدولة تسعى لجذب الاستثمارات في مرحلة إعادة الإعمار.
كلمة أخيرة

قضية الـ 542 خبيرًا ومهندسًا بتروليًا ليست مجرد أرقام في ملف عمالي عابر. إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة السودانية على حماية أبنائها أمام شركائها الدوليين. التفريط في هؤلاء الخبراء، الذين أمضوا سنوات في بناء قطاع النفط السوداني، لا يهدد مستقبلهم الشخصي فقط، بل يوجه رسالة خطيرة لكل كفاءة سودانية: أنت قابل للاستبدال، وحقوقك غير محمية، وأن المستثمر الأجنبي فوق القانون. الكرة الآن في ملعب مجلس السيادة. فإما إنصاف هؤلاء الخبراء قبل أن تتحوّل وقفاتهم الاحتجاجية إلى إضراب شامل، وإما تحمل مسؤولية تآكل الثقة في مؤسسات الدولة وقوانينها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.