ماجد الغوث
تُظهر البيانات الواردة في جدول تكلفة حج عام (1447هـ)، الصادر عن المجلس الأعلى للحج والعمرة في السودان، اختلالات اقتصادية وجغرافية لافتة تستدعي تحليلًا دقيقًا لمدى منطقية هذه الأرقام، وانعكاساتها على المواطن السوداني الراغب في أداء الفريضة في ظل ظروف معيشية بالغة التعقيد.
لغز الجغرافيا.. سعر موحّد لمسافات متفاوتة
عند النظر إلى البعد الجغرافي وتكاليف النقل، يبرز تساؤل جوهري حول آليات التسعير المعتمدة. إذ يُلاحظ تقارب كبير وغير مبرّر في تكلفة السفر عبر البحر بين مختلف الولايات، رغم التباين الشاسع في المسافات الفاصلة بينها وبين ميناء المغادرة في بورتسودان.
فمن المفترض اقتصاديًا أن تنخفض التكلفة في ولاية البحر الأحمر نظرًا لقِصر المسافة وانعدام النقل الداخلي تقريبًا، إلا أن الأرقام تشير إلى أن تكلفة البحر فيها تبلغ نحو (14,053,814) جنيهًا، وهي تكلفة تتقارب بشكل لافت مع ولايات بعيدة جغرافيًا مثل ولايات دارفور، التي تتراوح تكلفتها بين (13.4) إلى (14.4) مليون جنيه.
ويشير هذا التماثل إلى أن تسعير الرحلات البحرية لا يعتمد على الكلفة اللوجستية الفعلية، بل يبدو كأنه تسعير موحّد يتضمن رسومًا إضافية غير مبرّرة، تُفقد المناطق الساحلية ميزتها النسبية.
مفارقات الطيران.. تسعير إداري بلا شفافية
وعند الانتقال إلى تكلفة السفر بالطيران، تتضاعف علامات الاستفهام. إذ تُسجّل ولاية كسلا تكلفة تبلغ (17,757,776) جنيهًا، والقضارف (18,055,721) جنيهًا، وهي أرقام تقترب من تكلفة السفر من الخرطوم، بل وتتجاوز أحيانًا تكلفة السفر من ولايات أبعد جغرافيًا.
كما تُسجّل ولاية شمال كردفان أعلى تكلفة للطيران بواقع (19,313,089) جنيهًا، ما يثير تساؤلات حول المعايير التي تجعل السفر من وسط البلاد أكثر كلفة من مناطق طرفية. ويعكس ذلك خللًا واضحًا في آليات التسعير، التي تبدو أقرب إلى تقديرات إدارية منها إلى معايير سوق الطيران أو التكلفة الفعلية.
الخلاصة.. من الخدمة الاجتماعية إلى عبء مال
تعكس هذه الأرقام واقعًا اقتصاديًا معقّدًا، يتجاوز مسألة النقل والسفر إلى إشكالية أعمق تتعلّق بغياب العدالة في توزيع التكاليف، وارتفاع الجبايات غير المبررة.
وبذلك، يتحوّل أداء فريضة الحج في السودان إلى عبء مالي ثقيل، لا يعكس فقط كلفة الخدمة، بل يطرح تساؤلات حول عدالة النظام القائم، ومدى مراعاته للفوارق الجغرافية والظروف الاقتصادية للمواطنين.

Leave a Reply