محمد شريف
حين ترتدي الثورةُ وجهَ الحبيبة:
من أولِ لحظةٍ فهم الإنسانُ أن الكلمةَ رصاصة، وأن اللحنَ راية، لم تكن الثورةُ مجردَ حشودٍ في الشوارع، أو جملٍ مكرورةٍ يصرخ بها الناس ثم يبتلعها الهواء. كان في عمقها دائمًا شيءٌ أشبه بالحلم، أو لنقل.. بحثٌ حقيقيٌّ عن الجمال في أقصى حالاته، حتى وسط العتمة. وكلما جاء زمنُ الانعطاف، ظهر بين سطور الشعر وأوتار الأغنية ملمحٌ أنثويٌّ يأخذ الثورةَ من يدها ليكسوها بملامح الحبيبة. بدلًا من صليل السيوف وحكايات الدمار، صارت المقاومةُ وجهَ امرأة، والوطنُ نفسه صار أنثى يُخشى عليها من غبارٍ عابر، ويموت البعضُ لابتسامةٍ منها.
وردي.. وعرسُ الفداء
في أبريل 1985 في السودان، تلك الأيام التي انقشع فيها ليلُ دكتاتورية نظام نميري البغيض. وقتها، كان محمد وردي يبحث عن لغةٍ تليق بهول اللحظة، فلا يجد أصدق من لغة الحب. كان وردي يدرك أن الثورةَ التي لا تهزُّ القلب لا تكفي، وأن الحريةَ أجملُ نساءِ الأرض. أناشيدُه لم تكن مجرد هتافاتٍ سياجُها السياسة، بل أغنياتُ غزلٍ صوفيٍّ في حضرة الوطن.
حين غنّى وردي، استحضر ملامحَ الحبيبة ليمنح الديمقراطيةَ جسدَ امرأةٍ تولد أمام الناس. الموسيقى تنساب برفق، كأنه يزيّن عروسًا انتظرها الجميع. فلا يعود النشيدُ ثقيلًا، ولا الأغنيةُ شديدةَ الصخب. صار الوطنُ أنثى تسهر لأجلها الأرواح، وتُكتب الأغنيةُ عينها لأجل حمايتها. صار لأكتوبر وأبريل أسماءُ نساءٍ فاتناتٍ يسرن بين الناس بمهابةٍ وجمال. الثورةُ عند وردي لم تعد مصطلحًا سياسيًّا، بل حالةً تسكن قلبَ كلِّ بيت.
محمود درويش: ريتا والوطن.. والمقاومة
على الطرف الآخر، كان محمود درويش يخوض صراعَه بكلماتٍ فيها من الرومانسية بقدر ما فيها من المقاومة. في عالم درويش، لم يكن الشعرُ المقاوم صراخًا عقيمًا، بل محاولةً لزرع قلبٍ إنسانيٍّ في القضية نفسها. لا تجد عنده معنى الوطن ضيّقًا، بل يتحول إلى أنثى، إلى تضاريس وجه الحبيبة، إلى يد أمٍّ أو شعر ريتا. اختلطت عنده يافا بالقدس، وعاداته وحنينه كلُّها تحت جلد امرأةٍ اسمها الحرية.
الجملةُ “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” ليست شعارًا، بل غزلٌ فاضحٌ بتلك الأرض التي يمشي عليها العشاق. كان درويش يصرُّ أن الشعر الرومانسي أقوى من القنابل، لأنه يثبت أن الفلسطيني، مهما ضاق عليه الحصار، ما يزال يجرؤ على الحب ويحلم. في شعره، حتى الثورة لها جانبٌ أنيق؛ فيها حياةٌ تستحق القصائد ووجوهٌ تشتاق للأمل. بهذا التصوير، تصبح الثورةُ نفسها تحدّيًا للدم والأنين: نشتهي الحياة ونحمي جمالها، ولو بالسلاح.
لماذا الأنثى.. ولماذا كلُّ هذا الرمز؟
استعارةُ الأنثى في وجه الثورة لم تكن نزوةً شاعرية، بل، ببساطة، المرأةُ رمزُ الولادة، والثورةُ ولادةُ أمةٍ جديدةٍ من رحم المعاناة. حين يُشبَّهها الشاعرُ بأنثى، فهو يبشّر بربيعٍ بعد شتاءٍ طويل. المرأة، عند العرب بل عند الجميع، رمزُ الجمال وقداسة الحياة نفسها؛ وتصويرُ الوطن كامرأةٍ تُنتهك أو تُحرس يوقظ في الإنسان كلَّ شيءٍ جميل: الشجاعة، والنخوة، والغيرة على حُسنٍ نادر.
أضف إلى ذلك أن الرومانسية هنا تكسر حدّة العنف، وتمنح الفعلَ الثوريّ “شرعيةً أخلاقية”. هي ترد على العالم: لسنا عشّاقَ موتٍ أو قتل، نحن فقط عشّاقُ جمالٍ نخاف عليه من الرصاص.
حيث يلتقي الحبُّ مع الشهادة:
محمد وردي ومحمود درويش أثبتا، بفنهما المبدع، أن أدبَ المقاومة لا ينضج إلا حين يصير إنسانيًّا ودافئًا. حين تصبح الثورةُ امرأةً جميلة، نفهم أن المطلوب ليس الموتَ لأجل شيءٍ أجوف، بل من أجل الوصول إلى تناغمٍ أبسط.. لحظةِ جمال، لضحكةٍ على وجه الوطن. فحين يغنّي وردي أو يكتب درويش، تتحول الثورةُ من خبرٍ في نشرة الأخبار إلى قصّة حبٍّ يعيشها الناس كلَّ يوم.
هناك، في المسافة بين القلب والبندقية، تولد الأغنيةُ التي لن تموت أبدًا، وتبقى القصيدةُ التي يتردّد صداها حتى بعد سقوط البنادق. لأننا، في نهاية المطاف، لا نموت من أجل عقائد مجرّدة، بل نموت حتى تبتسم تلك الأنثى التي نسميها.. الوطن.

Leave a Reply