حين تتحوّل المقاومة إلى ذاكرة..

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي
بين ما نكتبه عن المقاومة.. وما نفعله، مساحةٌ صامتة تُهزم فيها المعاني.
وفي لحظاتٍ مثل الانتفاضات، لا تُقاس المقاومة فقط بما يُسقطه الشارع، بل بما يُبقيه حيًّا بعد ذلك.
في كل مرةٍ نستدعي فيها معنى المقاومة، نبدو أكثر ثقةً مما ينبغي. نكرّر الكلمات نفسها، ونستدعي الرموز نفسها، كأننا نطمئن أنفسنا أننا ما زلنا في الجانب الصحيح.
لكن السؤال الذي نتجنّبه دائمًا: هل ما زلنا نقاوم فعلًا، أم أننا فقط نحفظ شكل المقاومة؟
ليست كل مقاومةٍ تُرى، وليس كل من يرفع صوته يقاوم. في كثيرٍ من الأحيان، تحدث أخطر الهزائم بصمت.
اعتدنا أن نربط المقاومة بالحروب: رصاص، جبهات، شعارات، وانتصارات مؤجلة. لكن هذه الصورة، على وضوحها، مضلّلة، لأنها تجعلنا نرى جزءًا واحدًا من الحقيقة، ونغفل الباقي.
المقاومة ليست فقط أن تواجه عدوًّا واضحًا، بل أن تنتبه لما يحدث داخلك.. وأنت تواجهه، وألّا تتحوّل، ببطء، إلى نسخةٍ أخرى مما ترفضه.
هنا تحديدًا يبدأ دور الأدب؛ ليس كأداة تعبئة، ولا كمنبرٍ خطابي، بل كمساحةٍ حرجة.. مربكة.
في أعمال جورج أورويل، لم تكن المقاومة ضد نظامٍ فقط، بل ضد فكرة “الحقيقة الواحدة”.
وفي عالم ألكسندر سولجينتسين، كانت المعركة ضد النسيان، لا ضد السجن فقط.
أما توني موريسون، فقد قاومت محو الذاكرة بإعادتها إلى الوعي.
وفي نصوص فرانز كافكا، كانت المقاومة صامتة، ضد عالمٍ لا يُفهم.
لكن في العالم العربي، تأخذ المقاومة شكلًا آخر، لا يقل عمقًا.
حين رسم ناجي العلي (حنظلة)، لم يكن طفلًا يدير ظهره فقط، بل كان موقفًا؛ طفلًا لا يكبر، لأن العالم لم ينضج بعد.
وفي عالم غسان كنفاني، لم تكن الحكاية مجرد لجوء، بل سؤالًا لا يزال قائمًا: لماذا لم ندقّ جدران الخزان في الوقت المناسب؟
وفي صوت محمود درويش، لم تكن المقاومة صراخًا، بل إعادة تعريفٍ للهوية.
لكن المقاومة لا تعيش فقط في الكتب، ولا في الرموز؛ أحيانًا تكون في الشارع.
ففي لحظاتٍ مثل الانتفاضات، لا تُقاس المقاومة فقط بما يُسقطه الشارع، بل بما يُبقيه حيًّا بعد ذلك.
في السودان، لم تكن لجان المقاومة مجرد تنظيم، بل كانت وعيًا يمشي على قدمين؛ شبابًا يكتبون مواقفهم على الجدران، ويحوّلون الحلم إلى فعل، والغضب إلى معنى.
ثم تأتي الكلمة، لا لتقود، بل لتواكب. في صوت شاب مثل معد شيخون، نسمع امتداد الفكرة: “هزمته قصيدتي يومًا.. وهذا النص لن يُهزم”.
لكن المقاومة لا تقف عند هذا الحد.
في أغنيات محمد وردي، لم تكن الموسيقى مجرد لحن، بل موقفًا يُغنّى: “أصبح الصبح.. فلا السجن ولا السجّان باقٍ”.
وفي تجربة محمد الأمين، كانت الكلمة تمشي بثبات بين الفن والوعي: “يا صحو الشعب الجبّار”.
وفي الشعر، كتب محمد المكي إبراهيم الوطن كحلمٍ لا يقبل التنازل، بينما وقف صلاح أحمد إبراهيم في وجه الاستبداد بالكلمة، فحاكم الشاعر السلطان الجائر.
لكن الخطر الحقيقي ليس في غياب هذه الأصوات، بل في أننا بدأنا نسمعها دون أن ننصت.
نقرأ (حنظلة).. ونمضي.
نقتبس (كنفاني).. ونصمت.
نردّد (درويش).. ونعتاد.
ونغنّي.. دون أن نتغيّر.
وهنا تتحوّل المقاومة من فعلٍ حيّ إلى ذاكرةٍ مريحة.
في عالم اليوم، حيث تتكرر المآسي بسرعة، يصبح الخطر الأكبر هو الاعتياد: أن ترى الألم ولا تتوقف، أن تسمع الحكاية ولا تتغيّر.
وهنا.. لا يبقى من المقاومة شيء، إلا شكلها.
فليست كل مقاومة تحتاج إلى سلاح؛ أحيانًا، المقاومة الحقيقية هي ألّا تعتاد. لأن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس المعركة، بل قدرتنا على الشعور بها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.