أنشودة الثورة والذاكرة

صحيفة الهدف

أحمد باتشينو

هل يصنع الفنّ والأدب التاريخ، أم أن التاريخ هو الذي يُملي شروط الإبداع ويوجّه مساراته؟ هذا السؤال لا يُطرح بوصفه مفارقة لغوية، بل باعتباره إشكالية إبستمولوجية تمس العلاقة بين الوعي الإنساني وتجلياته الرمزية من جهة، والبنية المادية السياسية التي تُنتج هذا الوعي من جهة أخرى.
في استعراض محمد المكي إبراهيم، في كتابه (أصول الفكر السوداني)، لمسار الحركة الأدبية، تتكشف بنية تاريخية متداخلة تبدأ من سلطنة الفونج والعبدلاب، مرورًا بالحكم التركي، ثم المهدية، ففترة الاستعمار ومقاومته، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة بتقلباتها بين الديمقراطية والأنظمة العسكرية. عبر هذه المراحل، يبرز النص الشعري بوصفه الشكل التعبيري الأكثر حضورًا، بينما تتراجع الفنون الأخرى كالتشكيل والمسرح والدراما إلى هامش أقل تأثيرًا.
غير أن هذه الهيمنة الشعرية لا يمكن تفسيرها فقط بوصفها اختيارًا جماليًا، بل هي انعكاس لبنية اجتماعية وثقافية تُعلي من الشفاهة، وتمنح اللغة المنطوقة والمغنّاة قدرة أكبر على الانتشار والتأثير في مجتمع لم تتجذر فيه بعد تقاليد الإنتاج البصري والمؤسسات الثقافية الحديثة.
هنا يتخذ السؤال منحى أكثر عمقًا: هل تُخلَّد الأعمال الإبداعية لأنها تعبير عن لحظة تاريخية بعينها، أم لأنها تمتلك استقلالًا دلاليًا يسمح لها بتجاوز سياقها الزمني؟ مثال “الأكتوبريات” المرتبطة بثورة أكتوبر 1964 يكشف عن جدلية معقدة؛ فهي نصوص وُلدت في سياق سياسي محدد، لكنها احتفظت بقدرتها على الاستعادة في لحظات لاحقة، كما في أبريل 1985 وديسمبر 2018. هذا الامتداد لا يعود فقط إلى جودة الإبداع أو عبقرية مبدعيه، مثل وردي ومحمد الأمين، بل إلى قدرتها على اختزال بنية شعورية جماعية قابلة لإعادة التفعيل كلما تشابهت الشروط التاريخية.
المعنى هنا لا يكمن في النص ذاته بوصفه بنية لغوية مغلقة، بل في كونه “حاملًا دلاليًا” يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة. الفن، في هذا السياق، لا يوثق الحدث فقط، بل يعيد إنتاجه على مستوى الوجدان، فيحوّل التاريخ من وقائع إلى خبرة معاشة ومتجددة.
ضمن هذا الإطار، يمكن التمييز بين مستويين من الإبداع:
إبداع مناسباتي، يتسم بالهتافية والتحريض المباشر، ويؤدي وظيفة تعبئة آنية.
وإبداع إنساني تاريخي أعمق، كما في تجربة حميد، يتجاوز اللحظة إلى بناء أفق دلالي مفتوح يعيد طرح الأسئلة حول الإنسان والعدالة والوجود.
هذا التمييز يعيدنا إلى مفهوم “المعنى”: فالمعنى في الفن ليس معطى جاهزًا، بل هو عملية إنتاج مستمرة تتشكل عند تقاطع النص مع الذاكرة الجماعية والسياق السياسي. لذلك، فإن بعض الأعمال تموت بانتهاء ظرفها، بينما تتحول أخرى إلى “بُنى رمزية” قابلة لإعادة التوظيف.
ثورة ديسمبر 2018 تمثل نقطة تحول لافتة في هذا السياق، إذ شهدت بروز الفن البصري والجداريات كوسيط مركزي للتعبير، متجاوزة الهيمنة التقليدية للشعر. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في الذائقة، بل انتقالًا في بنية الإدراك من الشفاهي إلى البصري، ومن النص المغلق إلى الفضاء المفتوح في الشارع. ومع ذلك، ظل الشعر حاضرًا، وإن لم يعد في موقع الصدارة، محتفظًا بدوره كخزان رمزي يُستدعى في اللحظات المفصلية.
على المستوى العربي، تتكرر هذه الجدلية؛ من أناشيد ثورة 1952 في مصر إلى أدبيات الثورة اليمنية 1962، وصولًا إلى إعادة توظيف الأغاني الثورية في أحداث لاحقة كـ 2011. هنا يظهر أن الأعمال الإبداعية لا تعيش بذاتها فقط، بل عبر قابليتها لإعادة الإدماج في سياقات جديدة، مما يمنحها حياة تتجاوز زمن إنتاجها.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين الفن والتاريخ ليست علاقة سببية أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية:
التاريخ يوفر الشروط الموضوعية والمواد الخام للتجربة.
والفن يعيد تشكيل هذه المواد، مانحًا إياها معنى إنسانيًا يتجاوز الحدث.
المعنى، إذن، هو نقطة التقاء الاثنين: هو ما يجعل الحدث قابلًا لأن يُعاش مرة أخرى، وما يجعل العمل الفني قادرًا على البقاء. وبهذا المعنى، لا يصنع الفن التاريخ ولا العكس بشكل منفصل، بل يُعاد إنتاجهما معًا داخل الوعي الجمعي، حيث يتحول الإبداع إلى ذاكرة حية، ويتحول التاريخ إلى سردية مفتوحة على التأويل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.