البعث في ميزان الجغرافيا السياسيّة.. القوميّة في زمن التفتّت العربيّ

صحيفة الهدف

أبو عكرمة
في لحظة تأسيسه عام 1947، قدّم حزب البعث نفسه كمشروعٍ عابرٍ للحدود، قادرٍ على تجاوز التجزئة التي خلّفها الاستعمار. وبعد 79 عامًا، لم تتحقّق الوحدة المنشودة، بل تفاقم التفتّت: سوريا تشهد تعدّد مناطق النفوذ، اليمن مشطور، ليبيا غارقة في الفوضى، السودان يواجه خطر التفكّك نتيجة صراعٍ داخليٍّ ممتدّ، والعراق يعاني من نظامٍ سياسيّ قائمٍ على التوازنات الطائفيّة والإثنيّة.
غير أنّ قراءة هذا التناقض لا ينبغي أن تقف عند حدود الرثاء السياسيّ، بل يجب أن تُفهم في سياق تحوّلات الجغرافيا السياسيّة العالميّة، حيث لم تعد المنطقة العربيّة فاعلًا في إنتاج التوازنات، بقدر ما أصبحت ساحةً لإعادة تشكيلها.
هذا التناقض بين الحلم والواقع ليس دليلًا على فشل الفكرة، بل هو دليل على أنّها كانت، ولا تزال، تُشكّل تهديدًا حقيقيًّا لمشاريع الهيمنة الإقليميّة والدوليّة. فالأفكار التي تُحاصَر بهذه الضراوة غالبًا ما تكون ما تزال ممكنة. هذا التقرير لا يسعى إلى تقديم إجاباتٍ نهائيّة، بل إلى طرح أسئلةٍ جريئة: لماذا فشلنا في تحويل الوحدة من شعارٍ إلى مؤسّسات؟ كيف استطاعت إيران وتركيا ملء الفراغ الذي تركناه؟ وماذا نحتاج اليوم لإعادة تأسيس الفكرة؟
أوّلًا: بين الفكرة العابرة للحدود وواقع الدولة القطريّة
منذ تأسيسه عام 1947، قدّم الحزب نفسه كمشروعٍ يتجاوز الحدود السياسيّة التي تشكّلت بعد الاستعمار، معتبرًا أنّ الأمّة العربيّة وحدةٌ تاريخيّة وثقافيّة. غير أنّ الواقع السياسيّ العربيّ اتّجه في مسارٍ مختلف، حيث ترسّخت الدولة القطريّة كمحدّدٍ أساسيّ للسلطة والهويّة السياسيّة.
تقوم هذه القراءة على افتراض أنّ القوميّة العربيّة ليست مجرّد أيديولوجيا، بل إطار جيوسياسيّ يسعى إلى تحويل المجال العربيّ من فضاءٍ مجزّأ إلى وحدةٍ استراتيجيّة قادرة على إنتاج القوّة. وفي المقابل، تمثّل الدولة القطريّة نموذجًا سياسيًّا نشأ في سياقٍ استعماريّ، وتكرّس لاحقًا كواقعٍ مؤسّسيّ، ممّا خلق توتّرًا بنيويًّا بين الانتماء القوميّ والكيان السياسيّ. هذا التناقض بين فكرة الوحدة القوميّة وواقع التجزئة السياسيّة أنتج حالةً من التوتّر الدائم، حيث حاول الحزب العمل داخل أطرٍ قطريّة، مع الحفاظ على خطابٍ وحدويّ، وهو ما ظهر بوضوح في تجاربه المختلفة.
ثانيًا: نماذج من الواقع العربيّ
– السودان: في الحالة السودانيّة، واجه الخطاب القوميّ تحدّياتٍ مركّبة تتعلّق بالتعدّد الإثنيّ، والصراعات الداخليّة، والتدخّلات الخارجيّة. ومع ذلك، استمرّت بعض التيّارات القوميّة في طرح الوحدة العربيّة كأفق، خاصّة في مواجهة التفكّك والتدخّل الدوليّ.
– سوريا: شكّلت سوريا إحدى أهمّ ساحات حضور الحزب، حيث ارتبطت التجربة البعثيّة ببناء الدولة منذ ستينيّات القرن الماضي. لكن الحرب التي اندلعت عام 2011 أدّت إلى تدخّلاتٍ إقليميّة ودوليّة متعدّدة، وتفكّكٍ جزئيّ في السيطرة على الأرض، وصراعٍ بين مشاريع متباينة. ومع ذلك، ظلّ الخطاب القوميّ حاضرًا في بنية الدولة، رغم التحدّيات.
– فلسطين: في فلسطين، تأخذ الفكرة القوميّة بُعدًا مختلفًا، حيث ترتبط مباشرةً بقضيّة التحرّر من الاحتلال. وقد شكّل البعد القوميّ إطارًا داعمًا لفكرة وحدة النضال العربيّ، ومركزيّة القضيّة الفلسطينيّة، في مواجهة مشاريع التسوية والتطبيع.
– لبنان: يعكس لبنان نموذجًا معقّدًا للدولة متعدّدة الطوائف، حيث يصعب على أيّ خطابٍ عابرٍ للهويّات الفرعيّة أن يفرض نفسه بسهولة. ورغم ذلك، ظلّ التيّار القوميّ حاضرًا، وإن بقدرةٍ محدودة، ضمن توازناتٍ داخليّة وإقليميّة دقيقة.
– اليمن: في اليمن، تداخلت العوامل القبليّة والسياسيّة والإقليميّة، ما جعل من الصعب بناء مشروعٍ وطنيّ جامع، فضلًا عن مشروعٍ قوميّ. لكن فكرة الوحدة، سواء على المستوى الوطنيّ أو العربيّ، ظلّت مطروحة كحلٍّ لتجاوز حالة الانقسام.
ثالثًا: موقف الحزب من التدخّلات الإقليميّة والدوليّة
تُظهر التجارب المختلفة أنّ المنطقة العربيّة أصبحت ساحةً لتنافس قوى إقليميّة ودوليّة، وهو ما انعكس في الحروب بالوكالة، وإعادة رسم موازين القوى، والتأثير على القرار الوطنيّ. وفي هذا السياق، يقوم الموقف القوميّ (نظريًّا) على:
– رفض الهيمنة الخارجيّة.
– التأكيد على السيادة الوطنيّة.
– دعم قضايا التحرّر.
غير أنّ التطبيق العمليّ لهذا الموقف واجه تحدّيات، خاصّة في ظلّ تعقيدات الواقع السياسيّ.
ولا يمكن فهم تمدّد القوى الإقليميّة دون تحليل بنية الفراغ العربيّ ذاته؛ فضعف الدولة الوطنيّة، وتراجع المشروع القوميّ، وغياب التنسيق العربيّ، خلق بيئةً مفتوحة لتدخّل قوى تمتلك مشروعًا سياسيًّا واضحًا وأدوات تنفيذٍ فعّالة. وقد اعتمدت هذه القوى على مزيجٍ من الأدوات: النفوذ الأمنيّ، والعلاقات الاقتصاديّة، والارتباطات الأيديولوجيّة، ما مكّنها من ترسيخ حضورها في أكثر من ساحةٍ عربيّة.
رابعًا: صمود الفكرة في مواجهة التفكّك
رغم التراجع النسبيّ في حضور المشاريع القوميّة، فإنّ فكرة الوحدة لم تختفِ، بل أعادت الظهور في سياقاتٍ مختلفة، خاصّة مع:
– تصاعد الأزمات الاقتصاديّة
– تزايد التبعيّة
-فشل بعض النماذج القطريّة
وهو ما يعيد طرح السؤال حول الحاجة إلى إطارٍ أوسع يتجاوز الحدود القائمة.
في هذا السياق، يعود السؤال: ماذا يقول هذا المشروع لأبنائه اليوم؟ إنّه يقول لهم: إنّ الوحدة ليست شعارًا، بل عمليّة تاريخيّة تحتاج إلى أدوات. وإنّ مواجهة التفتّت لا تكون بالخطاب، بل ببناء بدائل واقعيّة. وإنّ أخطر ما يهدّد الأمّة ليس التدخّل الخارجيّ، بل العجز الداخليّ عن إنتاج مشروعٍ جامع.
في الختام تشير المعطيات إلى أنّ القوميّة العربيّة لم تغب، لكنّها فقدت قدرتها على التحوّل إلى قوّةٍ فاعلة. والتحدّي اليوم لا يكمن في الدفاع عنها، بل في إعادة تعريفها كإطارٍ استراتيجيّ قادرٍ على التعامل مع عالمٍ يتشكّل من كتلٍ كبرى، لا مكان فيه للكيانات الضعيفة. إنّ إعادة بعث الفكرة القوميّة لا تبدأ من الخطاب، بل من بناء مسارات تكاملٍ واقعيّة، ومن استعادة الثقة بين الفكر والواقع. وفي هذا المعنى، فإنّ السابع من نيسان لا يمثّل ذكرى ميلاد حزب، بل اختبارًا مستمرًّا لقدرة العرب على الانتقال من الجغرافيا المفروضة… إلى الجغرافيا التي يصنعونها بأنفسهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.